بقلم رحمه سيد

هز ظافر كتفاه معًا متظاهرًا بقلة الحيلة، وقد تعمد أن يأتي بذكر تلك السارقة ليصل لقاع هذا الموضوع :
-غالي إيه بجى ما ليلى أكلت الجو مني، وبجيت بتحبها أكتر.
ضحك سالم مستمتعًا بتلك المناغشة، ثم أردف:
-لسه ماتخلجش اللي يخليني أحبه أكتر منك يا ولدي، الفكرة بس إن ليلى دي حسيتها مننا كدا، حسيت كأني أعرفها من زمان، وحبيتها چدًا، وسبحان ربك لما بيزرع الجبول في جلب الإنسان، الممرضة الوحيدة اللي ماحسيتش إني تجيل عليها أو إنها بتمِن عليا.
أججت تلك الكلمات سعير الغضب في صدر “ظافر” الذي قال بكلماتٍ مستعرة:
-مين اللي تجدر تحسسك إنها بتمِن عليك يا چدي؟! دي بتاخد مبلغ محترم مقابل خدماتها.
ربت سالم على كتفه برفق مُهدئًا غضبه الذي ظنه دفاعًا عنه:
-عارف يا ظافر، لكن أنت عارف إني ما أحبش أبدًا إن حد بيعملي حاچة مُجبر.
هز ظافر رأسه مؤكدًا، ثم تلفظ بجدية بعد أن تبخترت أفكاره بعقله قليلًا ليُطيح تلك العقرباء بعيدًا عنهم:
-طيب إيه رأيك لو أچيبلك بدالها بت عبد العال چيراننا، واهي متربية جمبنا ونعرفها وتعرفنا يعني مش هتحس بأي حاچة من دول.
نفى سالم برأسه مرددًا والإصرار يلفح حروفه:
-لا مفيش داعي لكدا يا ظافر.
استطرد ممازحًا وهو يزحف بحروفه نحو إقناعه الذي شعره بعيد جدًا في هذه اللحظات:
-ليه؟ دي حتى أشطر ممرضة في بلدنا، وأنا متأكد إنك هتصغر عشر سنين على يدها.
ابتسم سالم وهو يخبره بصدقٍ:
-أنا مرتاح چدًا في التعامل مع ليلى أكتر من أي حد چه او هايچي بعدها.
تنهد ظافر بصوتٍ مسموع مغمغمًا بنبرة منغلقة:
-اللي يريحك يا چدي.
بات يعلم أنها صارت كالعلكة محاوطة قلب جده الطيب بخيوط مكرها الدنيء، والآن إن أخبره أنها مجرد لصة تخطط للنصب، لن يصدق، او ربما يصدق معتقدًا أن الماضي قد إنقضى بكل مساؤوه..
ولكنه يعرف جيدًا كيف يسلخ خيوطها بعيدًا عنهم، ثم يُريها عاقبة مَن يُفكر في التعدي على ما يخص ظافر العبادي !
****
في نفس القرية، في احد المتاجر الخاصة بـ “أيوب العماري”، كان يجلس في المقعد الخاص به في نهاية المتجر، مُريحًا جسده العريض المخبأ اسفل جلبابه للخلف وعيناه ساهمتان في الفراغ أمامه، قطع السكون الذي كان يغلف البقعة الأخيرة من المتجر والتي يجلس فيها؛ دخول والده “كامل” الذي ما أن رآه حتى إنتصب في جلسته، وتجهمت ملامحه الرجولية السمراء حتى بزغت القسوة الدفينة في سوادوتيه متمازجة بالنفور.