بقلم رحمه سيد

الابتسامة كانت أصعب شيء بالنسبة لها في هذه اللحظات، ولكنها رسمتها مُجبرة وهي تغمغم:
-الله يخليك ويباركلنا في عمرك يا جدي.
ثم تحركت بخطى متلعثمة وهي تستأذنه:
-استأذنكم أنا خمس دجايج وهاچي.
وبالفعل خرجت مسرعة من الغرفة وهي تلتقط أنفاسها التي سلبها تواجده، مفكرة أن كل شيء سينهار حتمًا بتواجده!
وفي حركة مباغتة كانت يد قوية تسحبها من ذراعها بحركة غليظة نحو الغرفة المجاورة المفتوح بابها، ثم تركها نافضًا إياها وكأنها وباء، فإلتصقت تلقائيًا بالحائط من خلفها وكأنها تحتمي به بعدما شعرت بضاءلتها أمام ضخامة جسده الصلب.
اقترب منها قليلًا وهو يهدر فيها بصوت أجش متسائلًا:
-إيه بتعملي هنا؟ چايه تدوري على ضحية چديدة؟
هزت رأسها نافية بسرعة:
-لا والله ابدًا، أنا چايه أكل عيش، ربنا عالم باللي في نيـ…..
ولكنه قاطعها بلهجة متوحشة تقطر نفورًا:
-وهو اللي زيك يعرف ربنا أصلًا؟ أنتي مچرد نصابة.
ثم اقترب منها قليلًا حتى تسنى لها رؤية عينيه السوداوتين المشتعلتين بالغضب وهو يزمجر بكمد دفين:
-أنتي عارفة أنا مين؟ أنا ظافر العبادي، ظافر العبادي اللي مابيفوتش الغلطة مرتين، غلطتك الأولى أنا سيبتك تفلتي منها بمزاچي، لكن بكل بچاحة تتچرأي وتيچي هنا كمان ؟ يبقى أنتي ماتعرفيش أنا مين، أنا أجدر أتعامل كويس مع أمثالك وأعلمهم الأدب.
صمت برهه قبل أن يسترسل بصوت متوعد قاسٍ:
-أنتي اللي چيتيلي برچليكي.
هنا شعرت بقلبها سقط أرضًا، وأدركت أنها بكل سذاجة ودون وعي خطت بقدميها نحو عش الأفاعي الذي استفزته مسبقًا !
تركها أخيرًا وهو يرمقها بنظرةٍ أخبرتها عن تربض وحش الحقد داخله، ثم غادرها محتفظًا بشموخه الذي لا ينفصل عنه كجلد ثانٍ له.
بقيت تتنفس بصوتٍ مسموع، رباه إن كانت مجرد دقائق كهذه أشعرتها أن حتفها اقترب، كيف ستحتمل ساعات وأيام ؟
لا.. لن تحتمل، يجب أن تغادر على الفور قبل أن يفتك بها ظافر العبادي !
هزت رأسها مؤكدة وهي تسرع بمغادرة الغرفة.
****
عاد “ظافر” لغرفة جده سالم من جديد، رسم على وجهه ابتسامة هادئة تنافي البغض الذي انبثق من قسماته منذ ثوانٍ، ثم قَبَل احد يديه متمتمًا بمودة حقيقية:
-إيه يا حاچ سالم اتأخرت عليك؟
هز الآخر رأسه نافيًا بابتسامة مشابهة لخاصة ظافر تفوح بالحب:
-أنت تعمل اللي أنت عايزه، أنت الغالي.