بقلم رحمه سيد

دون شعور كانت يدها تداعب خصلات شعره الفحمية الطويلة، مستسلمة لوضعه هكذا.
بينما هو في عالمٍ آخر كان يحلم بوالدته، والدته التي أضناه الشوق لها حتى نحره من الوريد للوريد، اختلط الحلم بالواقع فاحتضن غرام دون وعي متلمسًا منها دفء والدته الحبيبة، والدته التي كانت تقف أمامه في الحلم صامتة مبتسمة، ثم نظرت في اتجاهٍ ما وهي تشير له نحوه، تحرك بصره في ذلك الاتجاه ليجد غرام… تقف هناك بابتسامة توازي في حنانها حنان والدته، ثم اختفت والدته.
فانتفض في الواقع منزعجًا من اختفائها في الحلم، لتنتفض معه غرام بقلق وهي تربت على رأسه بحنان هامسة:
-اسم الله عليك، اعوذ بالله من الشيطان الرچيم، مالك!
بدأ يستكين شيئًا فشيء ويعود لهمهمته وأنينه المتقطع، ومر الوقت هكذا حتى شروق شمس اليوم التالي.
فتح “أيوب” عيناه ببطء ولا زال جسده يؤلمه، وقعت عيناه على “غرام” التي كانت مستندة برأسها على الفراش جواره وتغط في النوم العميق، أجفلت ملامحه صدمةً من تواجدها، ها هي تعود من جديد لتسير بخطى بطيئة نحو احدى صور ماضيه السوداء المشوهة وتلونها بطريقتها الخاصة مانحة قلبه القاحل مشاعر دافئة افتقدها طويلًا..
فهو اعتاد في كل مرض يمرض بها أن يظل يتألم في فراشه وحيدًا، ثم يستيقظ بمفرده أيضًا حين يعتقه المرض فيخف عنه قليلًا، هذه المرة الأولى منذ وفاة والدته يهتم به أحدهم ويرعاه أثناء مرضه.
امتدت يده دون تفكير ليتحسس بإصبعه ببطء قسمات وجهها البيضاء الناعمة، ناعمة مخضبة بالشغف والحنان الذي يستطع لمسه فيها.
همهم باسمها بصوت خشن خافت وكأنه يتذوق الاسم وليس ينطقه فقط:
-غرام.
ثم أضاف حائرًا بتنهيدة عميقة حملت في طياتها الكثير والكثير متذكرًا ذلك الحلم الغريب بوجودها ووالدته في آنٍ واحد:
-چيتيلي منين، وإيه أخرتها معاكي!
تململت غرام في نومتها فابتعد عنها على الفور، فتحت عيناها ببطء لتراه مستيقظًا، اعتدلت وهي تتنحنح بحرج قبل أن تسأله:
-إيه عامل دلوجتي؟
أجاب باقتضاب:
-الحمدلله.
فقط.. لم ينطق بحرف آخر، مدت يدها دون تفكير تتلمس جبينه لترى درجة حرارته وهي تتشدق مفكرة:
-لسه سخن؟
ولكنه أبعد رأسه على الفور بتلقائية جافة عن مرمى يدها، فأعادت يدها جوارها بحرج شديد جعله يقول بتبرير لم يكن من شيمه وكأنه يحاول تخفيف ثقل الحرج عنها:
-أنا كويس.