بقلم رحمه سيد

****

بعد أيام….

خرجت “غرام” من المطبخ حاملة بين يديها كوب الشاي الذي أعدته لنفسها قبل أن تعود لغرفتها من جديد، اثناء ذلك مرت على الغرفة التي يقطن بها أيوب، ولم تستطع كبح سؤال حائر من الطفو على سطح عقلها؛ لماذا يخفي أيوب نفسه داخل غرفته اليوم؟ حتى عمله لم يذهب له!

طيلة الأيام السابقة كانت تُسلح نفسها من قسوته الخادشة بتجاهله واللامبالاة، ولكن فطرتها الحانية تغلبت عليها اليوم، فوجدت نفسها تقترب من الباب باذنها حتى تسمع أي صوت يصدر عنه فتعلم أي شيء.
ولكن لم يصدر عنه صوت فـ ثار الشك داخلها أكثر، استسلمت لفضولٍ قلق داخلها وفتحت الباب ببطء وصوت داخلها يردد أنها ستندم وأنه حتمًا سيوبخها بسبب تطفلها !

تفاجأت برؤيته ينام في فراشه، ولكن ليس نوم عادي بل كان مجعد الجبين، يئن بصوتٍ مكتوم كأنه يتألم!

تحركت نحوه بتردد إلى أن وقفت أمام الفراش، نادته بخفوت متوجس:
-أيوب، أيوب؟

ولكن لم تجد رد، بدا غارقًا في نومه بطريقة مُقلقة، فمدت يدها تتحسس جبينه لتجد حرارته مرتفعة، عضت على إصبعها بحيرة وقلق وهي تفكر، ولكن تفكيرها لم يدم طويلًا إذ تحركت نحو المطبخ على عجالة لتحضر قطعة قماش وماء بارد، ثم عادت وجلست جواره على الفراش وبدأ تقوم بعمل “كمادات” له..

بينما أنينه المتألم لم يخفت، آناته أثارت الشفقة داخلها ومست شغاف قلبها، تُرى كم مرة مرض هكذا ولم يجد مَن يعطيه العلاج او يساعده ؟

مر بعض الوقت ولا زالت كما هي، وقررت بقلب مفعم بالحنان الفطري ألا تتركه بمفرده هذه الليلة مهما كانت العواقب.

انتبهت له حين تحرك ولا زال يغط في نومٍ عميق، ودون وعي كان يضع رأسه على قدميها، ويده تحاوط خصرها بينما يده الاخرى أمسكت بكفها قابضًا عليه بكفه العريض الخشن، ثم غمغم بصوت متحشرج:
-وحشتيني جوي.

تجمدت لثوانٍ وحركته سقطت عليها كالصاعقة، مُخلفة بعدها انتفاضة مشاعر؛ أولها شعورها الفطري بالأمومة، والحنو تجاهه، الرغبة في احتواءه بهذه الصورة الضعيفة الطفولية منه.

ولكن جملته التالية كانت كلوح خشبي عزلها عن تلك المشاعر الماسية، وأخذت تفكر دون ارادتها.. تُرى مَن التي يقصدها ويناجيها بهذا الشوق والألم؟

أ هي واحدة أحبها وتركته؟ أ لهذا يعاملها بهذا الجفاء والقسوة ؟ لِمَ تزوجها اذن ؟!

أحست بالغيظ يتدفق من كل إنش فيها مما توصلت له أفكارها، ثم زفرت أنفاسها بصوتٍ مسموع وهي تحدق في ملامحه المستكينة بين أحضانها وكأنه ينشد الدفء منها… ملامحه الرجولية السمراء التي خطها الحزن بأثاره الضارية، و التي ترى لأول مرة فيها صورة مشوهة لطفلٍ وحيد ضعيف مسكين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *