بقلم رحمه سيد

ولكنها هزت رأسها نافية بإصرار:
-لا مش معايا، ولو معايا مش هاديك جرش واحد تصرفه على الهباب اللي بتشربه دا، روح لأبنك أيوب على قلبه كتير، يمكن يرضى يرميلك نجطة من بحر الفلوس اللي معاه.
قالت أخر كلماتها بسخرية كانت كالزيت الذي سُكب على نيرانه التي أشعلها أيوب مسبقًا، حتى صار كـ بركان بدأت حممه اللاهبة تفور منه، حيث إنقض عليها جاذبًا إياها من ذراعها بعنفٍ وهو يزمجر فيها:
-بجولك هاتي الفلوس وإلا قسمًا بالله هكسر عضمك.
دفعته بعيدًا عنها وهي تصيح فيه بشراسة:
-مش هاديك حاچة وماتجدرش تعملها.
حينها دون وعي دفعها بعنف وقوة زائدان عن الحد، مما جعلها ترتد للخلف بقوة وتسقط مصطدمة رأسها بحافة “الكومودينو” الحادة، ففقدت الوعي على الفور وبدأت الدماء تسيل من رأسها بغزارة.
إتسعت عيناه وانتشر الذعر داخله كالسم الذي جعله يفقد القدرة على الحركة لثوانٍ طويلة، والادراك يحبو ببطء لمراكز عقله ليستوعب أنه تقريبًا… قتلها !
شهق بقوة وهو يلتقط أنفاسه المسلوبة من هول المنظر، ثم تراجعت أقدامه للخلف بتلقائية استعدادًا للهروب، وبالفعل بخطى شبه راكضة كان يغادر البيت من الباب الخلفي، فيما تعجبت غرام من تأخر خروج هويدا بعد شجارهم الذي سمعت جزء منه بسبب صوتهم العالي، فوقفت تنادي على “هويدا” بهدوء لتخبرها أنها ستغادر:
-ست هويدا، يا ست هويدا، هويدا ؟
تحركت بتردد نحو الغرفة ونداءها غير المُجاب مستمر، إلى أن وقعت عيناها على “هويدا” الساقطة أرضًا غارقة وسط دمائها، صرخت غرام بفزع وهي تتراجع للخلف بخوفٍ حقيقي، وبعد ثوانٍ أجبرت قدميها على التحرك نحوها لتتفحصها وتتأكد من موتها او عيشها.
وبالفعل جلست جوارها أرضًا، ثم بدأت تتفحصها لتجد أنها مقطوعة الأنفاس !
فضربت خديها بهلع وهي تصيح بصوت مكتوم:
-يالهوي يالهوي، يا مرارك يا غرام.
ظل عقلها يتخبط حول السؤال المُلح داخلها، ماذا ستفعل ؟ وإلى أين ستذهب ؟
وبغريزة آدمية مرتعبة كانت تستجيب للنداء الذي يحثها على الهرب، فأطلقت قدميها لتسابق الريح……
****
على الجانب الآخر…
كانت ليلى قد أنهت عملها اليوم في بيت “سالم العبادي” وتتحرك لمغادرة البيت عاقدة النية ألا تأتي له مرة اخرى ابدًا، وربما تغادر البلدة بأكملها متخفية عن ظافر العبادي الذي لن يتوانَ عن الفتك بها.