بقلم رحمه سيد

ثم واصلت بحماس نابت وكأنها تنتظر أن ترى الفرحة تشع من حدقتيه:
-عملت كشري بما إنك بتحبه.
لم يستطع تفسير ذلك الشعور الغريب بالدفء ومشاعر شتى كالطلسم، تتفرع من وسط ظلام روحه لتتسرب لباقي خلاياه ببطء .. ولكنها مُخيفة! تُخيف قلبه الذي لم يندمل جروحه بعد.
وقبل أن تتشرب خلاياه ذلك الشعور كان ينفضه عنه معيدًا تغطية ظلامه وروحه المشوهه بجلد الجمود والقسوة وهو ينهرها بنبرة خشنة غليظة:
-مين طلب منك تعمليلي حاچة ؟ وعرفتي منين أصلًا إني بحبه؟
شعرت بالارتباك يضربها كزلزال مفتتًا هدوئها وثباتها، فبللت شفتاها وهي تخبره بتردد:
-أنا سمعتك جبل كدا وأنت بتتكلم في التليفون.
وكأنه وجد الحجة ليدفعها بعيدًا عنه خارج حدوده المظلمة التي تهددها بتواجدها وأفعالها، فراح يضيف بصوتٍ أجش موبخًا:
-هو أنا مش جولتلك ماتتعديش على خصوصيتي؟
دافعت عن نفسها:
-أنا ماتعديتهاش.
زمجر فيها بصوت مكتوم غاضب:
-ماتعديتيهاش؟ دا أنتي بجيتي بتتصنتي عليا وأنا بتكلم في التليفون كمان.
سارعت تهز رأسها نافية:
-والله أبدًا، أنا سمعتك بالصدفة وأنا داخلة الحمام.
تأفف بنفاذ صبر قبل أن يردف بنفس النبرة الجامدة التي شابها سخرية:
-ما علينا، خليكي في حالك وخليني أنا كمان في حالي، ماتحسسنيش إننا واخدين بعض عن حب!
شعور ساحق بالندم لفعلتها دغدغ كل مشاعر الامتنان التي دفعتها لتحضير ما يحبه، وبدأت الدموع تتجمع في عينيها دون سيطرة منها، ونظراتها تلومه بصمت، تجاهله هو حين أشار بيده للطعام متابعًا:
-ومش عايز منك حاچة، مش هاكله، أنا بعرف أچيب وأعمل أكل لنفسي.
تحركت مغادرة نحو غرفتها دون أن تنطق بحرف وأخذت تلوم نفسها على سذاجة تفكيرها العاطفي مع شخص جاف وقاسي كهذا !
فيما جلس أيوب على الأريكة وهو يتنهد، وعيناه على ذلك الطعام… لم يكن مجرد طعام حُضر لأجله، بل كان شيء أكبر من هذا، شيء ذكره بوالدته الراحلة، وشوش مذاق مرارة اليُتم التي كانت تلازم حلقه، فهو بعد وفاة والدته لم يسأله احدهم عما يريد او يحتاج، لم يهتم به احدهم اصلًا او يغدقه بحنان حُرم منه مبكرًا !
رغم أنه لم يكن جائع إلا أنه وجد نفسه ينهض، ودون تبرير لعقله وقلبه التائهان في فلك المشاعر الغريبة، كان يأكل من ذلك الطعام بنهم ولذة.
بعد أن انتهى من تناوله نهض، وقادته قدماه نحو باب غرفتها، طرقه طرقة وحيدة صغيرة، قبل أن يتمتم بخفوت وصلها بوضوح:
-شكرًا.