بقلم رحمه سيد

ابتسم ابتسامة صغيرة جذابة وأكمل بنبرة ذات مغزى:
-أنا مش وحش على فكره وأتحب.
أدارت وجهها عنه بحرج، ثم تمتمت بضياع:
-صعب صدجني صعب.
قرر ترك خيط وهمي من الحرية لها حيث قال بلا مبالاة مدروسة:
-روحي اتكلمي مع والدتك وشوفوا الأنسب ليكي، بس صدجيني دا أنسب حل، أنا لو عليا في الأول وفي الأخر راچل، أنتي هتتأثري بكلام الناس أكتر مني وأنتي عارفة مچتمعنا مابيرحمش.
عادت من ذكرياتها متنهدة، بالفعل توصلت هي ووالدتها إلى أن عقد القران ذلك هو الحل الأنسب للأسف!
فأحيانًا يُقرر القدر نيابةً عنك ويترك لك صورة مشوهة من الحرية لتلتمسها ثم تمثل لها.
كانت تنتظر “سالم” الذي اتجه لدورة المياه، رغمًا عنها غلبها النعاس فأغمضت عينيها وغطت في غفوة قصيرة وهي تستند على المكتب الخشبي المجاور.
بعد دقيقتين تقريبًا دخل ظافر يبحث بعينيه عن جده فوقعت عيناه عليها وهي غافية، وهل هناك صورة أجمل من هذه ؟!
تحرك دون تفكير نحوها، وهو يشعر بهدير نبضات قلبه العنيف، والعاطفة المكتومة تتفجر من فوهة الكتمان وتغلي في شرايينه مطالبة بالاقتراب منها أكثر، بالتأكد من كونها أصبحت له.. ملكه!
رباااه كيف أحبها بهذا القدر ولم يتعامل معها كثيرًا ؟ مَن قال أصلًا أن الحب مواقف، لا ليس مواقف.. بل هي تلك اللحظة التي امتد فيها خيط شعوري سميك بين قلبيهما، فأصبح أسيرها.
امتدت أصابعه ملبيًا ذلك النداء داخله، وأزاح خصلة تمردت وظهرت من أسفل حجابها، لتتسنى لعينيه تشرب قسماتها السمراء الناعمة الجميلة.. ليست جميلة فقط بل فاتنة، فاتنة أغوته وأسرته وهو الذي لم تغوه الفتنة يومًا !
تهافت شفتاه شوقًا، لمذاق شفتيها… قبلة واحدة وسيبتعد، هز رأسه كأنه يؤكد لنفسه، فهذه الفرصة لن تأتي له مرتين.
اقترب منها بالفعل، وأخيرًا لامست شفتاه المتلهفة شفتاها المكتنزة متذوقًا رحيقها، شعر بقلبه المحترق عشقًا يحيا من جديد، والشوق اللاهب يتضاعف ولا يخفت…
قطع قبلته التي لم تطول حين شعر بتململها، فتحت عيناها ببطء لتحدق فيه دون استيعاب مرددة اسمه بعفوية بخفوت مستنكر تواجده أمامها… بل بالقرب منها:
-ظافر ؟!
****
جلس كامل في البهو الواسع بصالة منزلة ينظر برتابة حوله بداية من الاثاث المليء بالاتربة وعدم النظافة التي تحوم بكل شبر بالمنزل ثم انتقل ببصره نحو الطاولة التي أمامه يلقي نظرة بؤس نحو خلو علبته الفضية من المواد المخدرة، ومن بعدها القى نظرة غاضبة نحو هاتفه الذي لم يهدأ منذ الصباح من رنينه المتواصل بسبب أصدقائه.
زفر زفرة قوية ثم تمتم بحقد من بين شفتيه الغليظة:
-مش معايا فلوس يا ولاد المركوب بطلوا زن.
اطبق فمه بشدة والغيظ يأكله بعد أن أجاب على أحد أصدقائه في الصباح وسرد له الأخر عن أهمية الليلة في المأوى الخاص بهم للعب ” القمار” لمعت عيناه بوميض الطمع متخيلاً نفسه يجني المال الوفير ليعوض خسارته الفادحة في الليالي السابقة!
ما العمل؟! ظل يكرر لنفسه مرارًا وتكرارًا وعقله يجوب في محيط معارفه كي يستغل أحدهم ويجني منه المال الكافي للدخول في مسابقة الليلة، ولكنه للأسف لم يجد أحد فالجميع بدأ ينفر منه بعدما علمه بأسوأ صفاته، شخص استغلالي بدرجة كبيرة حتى أنه ذات مرة وصفه أحد أقاربه في نبرة يملأها الغل:
” أنت يا أخي لو تطول تاخد هدومنا وتستغلنا هتعملها يا كامل اعوذ بالله منك، شيطان في الأرض”
وما أن تذكر كلماته حتى سب بأقذر الشتائم وقام بلعنة كلاً من حوله وأولهم ابنه ” أيوب” الذي لم يستطع حتى الآن استغلاله أبدًا….حتى تلك الساذجة لم يستطع لوي ذراعه بسببها!
ولكن…فكرة شيطانية تسربت لعقله وبدأ في التخطيط لها، فلمعت عيناه من جديد بوميض الطمع والكره، البداية ستكون من خلالها..الطريق ممهدًا وسينحر ولده الجامح عن طريقها، الآن فتحت له أبواب السعادة وسينعم بالمال الوفير من خلال تلك الحمقاء البائسة والتي من السهل جدًا إرباكها واستغلالها فهمس بحقد:
-كنتي تايهة عني فين يا بنت الـ*** أنتي اللي هجدر ادخل منك باب جنة أيوب العماري.