بقلم رحمه سيد

نهضت وهي تمسح دموعها عازمة على الذهاب له، فليس أمامها خيار آخر، ستقنعه بكل الطرق ببراءتها، بل وستتوسل له إن اُضطرت!
وبالفعل غادرت منزلها بسرعة في طريقها لمنزل “ظافر العبادي”، واثناء سيرها وقعت عيناها على المتجر الخاص بـ “أيوب العماري” فتلكأت أقدامها وأفكارها تتبلور في سؤال واحد، هل تذهب لأيوب بدلًا من ظافر ؟
فالجميع يعلم علاقته المُدمرة بوالده وكما يبدو أنه أول مَن ذاق مرارة ظلمه، فربما يكون تصديقه لها أسهل من تصديق ظافر لها، فهو قد كان مكانها يومًا ما !
تحركت فعليًا نحو المتجر ودخلت لتجد أيوب يجلس على مكتبه بمفرده، ويبدو أنه يُنهي بعض أعماله، رفع عيناه عن الورق أمامه ليُدقق النظر لها للحظاتٍ معدودة قبل أن يُنزل بصره من جديد وهو يهتف بلا مبالاة:
-خلاص جفلنا.
ابتلعت ريقها قبل أن تخبره بصوتٍ مبحوح:
-أنا مش عايزة أشتري.
رفع عيناه لها من جديد وهو يسألها بتلقائية كانت غليظة على قلبها المسكين:
-إيه عايزة؟ عايزة فلوس؟
شعرت وكأنه صفعها للتو، وكأنه بسبب والده صار اقتراب أحدهم منه يُترجمه عقله المرجوم بغدر والده الدنيء “كرغبة في الأموال ” فقط!
اشتدت يدا غرام على ردائها الأسود بقوة، قبل أن تستجمع جرأتها وتقطع المسافة بينهما قائلة بنبرة مهترئة متوسلة في باطنها، على وشك الانهيار:
-أنا محتاجة مساعدتك، أبوك هيوجعني في مصيبة.
من جديد كانت تلقائيته القاسية كالسكين البارد الذي ذبح وريدها ببطء:
-إيه اتچوزك عرفي؟
هزت رأسها نافية بسرعة مصعوقة من انحدار أفكاره:
-لا طبعًا.
فهز رأسه وهو ينظر لها بتركيز كعلامة على إنصاته، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ بقص كل ما حدث على مسامعه.
كان صامتًا في الدقائق الأولى بعد استماعه لها وكأنه يقيس كل ما سمعه منها بمقياسه الخاص الذي تدلت كفته نحو التصديق دون دليل ملموس من “غرام”.
ربما لأن ماضيه كله مع والده دليل حي على جحود وقسوة هذا الرجل الذي يُدعى والده بينما هو لا يعرف عن الابوة شيء، فلم يُصدم كثيرًا بما أخبرته به، خاصةً أنه يعرف “غرام” بحكم أنهم في قرية صغيرة يعرف الجميع فيها بعضهم، وهذه الفتاة لا تشوب سُمعتها شائبة.
رفع عيناه السوداء العميقة نحوها، وتلكأت نظراته عليها من أعلاها لأسفلها بطريقة أربكتها وجعلت قلبها يختض بين ضلوعها، لمعت عيناه متفحصة جمالها الناعم المغوي، وتوهج الإعجاب فيهما، لا يُنكر أنها تُعجبه كرجل منذ رآها سابقًا، ولكنه لم يُعطِ هذا الإعجاب أهمية..
فأخر شيء قد يهتم به أيوب العماري هي مشاعر حمقاء لا تجدي نفعًا لصاحبها في دنيا كثر بها الإهتمام بالمنافع فضلًا عن أي شيء آخر، هذا درسه الذي تعلمه بأشد الطرق قساوة على يد والده.