بقلم رحمه سيد

جلس “أيوب” جوارها، رصدت عيناه انهيارها المتمثل في ارتعاشة جسدها.. فرأى نفسه فيها، وكأن الزمن أعاده لنقطة سوداء يكرهها، حين كان منهارًا هكذا وهو يخسر والدته بسبب المرض.. وحيدًا هكذا.. حتى سبب الانهيار لم يختلف؛ والده المصون!

فوجد يده الكبيرة الخشنة الدافئة تمتد تلقائيًا لتحتضن يدها الباردة من فرط التوتر، يطبق عليها بقوة وكأنه يخبرها بصمت.. أنا هنا معك!
وكأنه يُعطي ما فقده، فهو أكثر مَن ذاق مرارة فقدانه.

رفعت عينيها التائهتين نحوه تسأله بشرود قلق:
-هيعرفوا إني كنت هناك يومها؟

هز رأسه نافيًا وهو يردد بصوته الرخيم الواثق:
-لا، ماتجلجيش، مش هيچرى أي حاچة.

ابتلعت ريقها ثم اعترفت ولا تدري لِمَ تعترف له هو تحديدًا، ربما لأنه عين نفسه الحامي لها:
-أنا خايفة.

كم يمقت كامل وينمو الغضب داخله أكثر نحوه كنبتة سوداء في أرض قلبه القاحلة.

اشتدت قبضته عليها أكثر وهو يردف بحزم به لفحات من الغضب:
-اوعي تخافي، أنتي ماعملتيش حاچة تخليكي تخافي.

دفة الحديث لم تكن مُقادة من عقلها، بل من بؤرة مشاعرها المضطربة، فانسابت الكلمات من حافة لسانها بتلقائية شديدة وبنبرة عذبة متوسلة:
-ماتسيبنيش، أنا هروح في داهية لو سيبتني!

كلماتها العفوية… نبرتها.. نظراتها، كلها أشياء دغدغت عمق احاسيسه المُسربل بقِفل القسوة والجمود، وذكرته بنفسه القديمة، تكالبت عليه المشاعر حتى لم يعد يدري كيف يفسرها.. كيف يُترجمها للقابعة أمامه تستجدي دعمه ووجوده!؟

وجد نفسه ينحني نحوها مُحيطًا وجهها بكفيه وشفتاه تلتقي بشفتيها في قبلة مُزلزلة معبقة بالعاطفة؛ علها تتكفل بتفسير مشاعره المتشابكة، فهو لا يستطع ترجمة شعوره سوى بطريقة حسية.. وربما شيء داخله أراد استشكاف مذاق تلك الشفاه التي سبرت أغواره بكلماتها!

قطع قبلته بعد ثوانٍ يُطالع وجهها الذي دب فيه ارتباك من نوعٍ آخر وهي ترمش بعينيها دون استيعاب، ارتباك ما بعد عبث عاطفي لا يشوبه أي نفور.

ثم أضاف بصوت رجولي خشن:
-أيوب العماري ما بيسيبش اللي يخصه، وأنتي بجيتي تخصيني.

السكون كان سيد الموقف لثوانٍ عديدة حاولت غرام فيهم تنظيم شتات نفسها.. مشاعرها وأفكارها، قبل أن تسأله بنفس العفوية المنتشلة من بئر أفكارها:
-أنت ازاي كدا ؟!

وكأن سؤالها أعاده للحاضر، وأسقط فوقه جلد الجمود الزائف، ليهز كتفيه ساخرًا:
-زي الناس، انسان عادي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *