بقلم رحمه سيد

انتبهت له حين تشدق لمرة أخيرة بخشونة فظة آمرة:
-إياكي تفكري تروحي تجولي الكلام دا لچدي، ساعتها هتشوفي مني وش تاني مش هيعچبك.
ثم غادر دون اضافة المزيد مكتفيًا بما فعله، بينما ليلى كانت ذاكرتها تستحضر سبب امتثالها للبقاء في هذا البيت…
فبعد أن أحضرها ظافر لبيتهم، عادت بعد ساعات قليلة للمستشفى تأبى الاستسلام والاستمرار في ذلك البيت، ولكن ما أن أخبرت الطبيب المشرف برغبتها تلك، كان ينهرها بصلافة:
-جولتلك دي مش لعبة يا ليلى، دا شغل ومسؤولية وطالما بدأتيه أنتي اللي لازم تكمليه.
فهزت رأسها نافية بإصرار:
-اسفة مش هجدر، أنا ماچيتش واتكلمت مع حضرتك إلا لما اتأكدت إني فعلًا مستحيل أجدر أكمل عنديهم.
لم يجد مفر من اشهار السلاح الأخير في يده الذي يمكنه تهديدها به لتخضع له في معركةٍ ليست على دراية بها، فأردف بنبرة متشحة بالغضب مُلطخة بسواد شيطاني:
-أنا كنت عمال أتكلم معاكي بالحُسنى عشان عامل حساب العشرة والود، لكن الظاهر إنك مش هتيچي غير بالرسمي، اسمعي.. أي مخالفة منك للكلام اللي جولته يا استاذة هتلاجيني كتبت فيكي تقرير يجعدك في بيتكم.
هكذا بكلمتين غليظتين منه أطفأ أي شمعة خافتة داخلها للهرب من ظلام يتشعب في حياتها شيئًا فشيء !
****
في منزل “أيوب العماري” …
كان “أيوب” في غرفته أمام المرآة يُبدل ملابسه قبل خروجه لعمله، وقعت عيناه على أثر لحرق قديم على كتفه، حرق ظاهري وحيد ولكنه مثال لحروق عديدة ولكنها في عمق روحه المُخضبة بالوجع!
انبطحت ضوضاء المشاعر الزائفة في عينيه؛ القوة والقسوة والجمود، ولم يتبق سوى الألم، فقط الألم الذي ينخر روحه نخرًا على الدوام ويأبى تركه، وبعقلٍ لم ينسى وقلب لم يغفر كان يستعيد سبب ذلك الحرق، واحدى أسباب الشرخ الكبير بينه وبين والده …
كان في الخامسة عشر من عمره، لا زالت والدته على قيد الحياة في ذلك الوقت، ووالده المزواج منفصل عنهما، منشغل بحياته المليئة بالمظاهر… النساء.. الأموال والاهتمام بمطامعه فقط!
كانت والدته مريضة جدًا حينها، فاضطر للمرة التي لا يذكر عددها أن يذهب لوالده ليطلب منه الأموال لأجل علاج والدته المريضة، وصل البيت الذي كان والده يقطن به، وكان معه رجلان يبدو أنه يسعى معهما لأعمالٍ ومطامع جديدة، وما أن رآه والده حتى أشار له من بعيد متأففًا وهو يبعد السيجارة لثوانٍ عن فمه:
-امشي دلوجتي مش فاضي.