الرسمة حكايات نيمو محمد

نسخ
“ممكن تشتري الرسمة دي؟”
الصوت كان واطي قوي لدرجة إن دوشة الشارع كانت ممكن تبلعه بسهولة بس الكلمة وصلت
كريم الديب ما وقفش وكمل ماشي زي عادته رجالة زيه ما بيقفوش لحد في وسط البلد لا لسائح تايه ولا لواحد بيسأل على عنوان ولا لحد حالته صعبة واقف بإيد ممدودة والبرد داخل في عضم الناس كان وراه معاد مهم في الزمالك ورجالته ماشيين وراه بخطوتين وعدو قديم مستنيه على ترابيزة عشا بابتسامة مليانة سم
بس الصوت رجع تاني
“لو سمحت يا بيه دي ماما إحنا محتاجين دوا عشانها”
المرة دي رجله وقفت لوحدها
لف ببطء
تلات بنات صغيرين قاعدين على الرصيف جنب باب محل مقفول تحت يافطة قديمة شكلهم شبه بعض لدرجة تخض نفس الشعر البني المحمر نفس البشرة الشاحبة نفس العيون الخضرا اللي فيها حزن أكبر من سنهم واحدة ماسكة علبة صفيح فيها شوية فكة التانية لافة شال قديم حوالين كتافها والتالتة واقفة قدام رسمة صغيرة مسنودة على الحيطة كأنها بتحرسها
عين كريم وقعت على الرسمة
والدنيا سكتت
صوت العربيات اختفى الهوا وقف رجالة كريم بقوا مجرد ضلال حواليه وفي لحظة واحدة مش هو الراجل اللي الناس كلها بتخاف منه
بقى واحد واقف قدام وش واحدة كان فاكر إنها ماتت من سنين
الرسمة لست قاعدة جنب شباك نور الشمس داخل على وشها شعرها سايب على كتافها وعنيها الخضرا فيها نفس الضحكة اللي كانت بتخصه هو بس
إيلينا
إيلينا بتاعته
نفسه اتسحب منه بعنف وحس بصدره بيتقبض
“يا باشا إحنا اتأخرنا” نادر قالها ورا ضهره
كريم رفع إيده من غير ما يبصله فسكت فورًا
البنت اللي باين عليها جرأة خدت خطوة لورا رغم إنها بتحاول تبان قوية بس صوابعها كانت بترتعش
“بكام” كريم سأل وعينه لسه على الرسمة
بلعت ريقها وقالت “اللي تقدر عليه”
بص لهم لأول مرة بجد وقال بهدوء تقيل “اسم مامتكم إيه”
البنات بصوا لبعض بتوتر
الأهدى فيهم همست “إيلينا”
جفن كريم ببطء ونزل لمستواهم وقال “إيلينا إيه”
البنت الجريئة قالت بسرعة “إيلينا ورد بس هي قالت ما نقولش لحد كتير”
الاسم ضربه كأنه طلقة
من ست سنين قالوله إيلينا ماتت في حادثة عربية على الدائري شاف بعينه العربية وهي متفحمة واستلم حاجتها بنفسه ودفنها بإيده تحت شاهد في مدافن العيلة وكان فاكر إنه خلص كل حاجة
بس قدامه دلوقتي تلات أطفال بعينيها
“عندكم كام سنة” صوته خرج مبحوح
“ستة” قالتها بسرعة
ستة
الكلمة نزلت عليه تقيلة زي حكم
مد إيده في جيبه وطلع كل الفلوس اللي معاه وحطها في إيد البنت كمية تخوف أي حد خليت واحدة فيهم تفتح بقها من الصدمة
“أنا هاخد الرسمة” قالها بهدوء بس صوته كان فيه حاجة مرعبة “بس هتقولولي مامتكم فين”
وش البنت اتشد وبصتله بشك واضح “وإنت عايز تعرف ليه”
كريم سكت لحظة وعنيه رجعت للرسمة وقلبه بيدق بشكل عمره ما حس بيه قبل كده لأنه لأول مرة من سنين حس إن الماضي ما ماتش وإن اللي دفنه بإيده ممكن يكون لسه عايش ومستنيه في مكان ما وده كان كفيل يخليه مستعد يعمل أي حاجة حتى لو رجع للناس اللي كان فاكر إنه هرب منهم للأبد عشان يوصل للحقيقة اللي ممكن تقلب حياته كلها
والبنت لسه مستنية إجابته بعينين مليانين خوف وتحدي وكأنها حاسة إن اللي جاي أخطر بكتير من مجرد رسمة اتباعت على الرصيفكريم فضل باصص لها لحظة أطول من اللازم وسؤالها معلق في الهوا وهو بيحاول يلاقي إجابة تطلع من غير ما تكشف اللي جواه بس مفيش حاجة طلعت غير الحقيقة
“عشان يمكن أعرف أنقذها”
الكلمة خرجت هادية بس تقيلة خلت البنات يسكتوا ويبصوا لبعض تاني كأنهم بيقرروا يثقوا فيه ولا يجروا
البنت الجريئة عضت على شفايفها وقالت “هي تعبانة قوي ومش بتقوم من على السرير بقالها أيام”
“فين” صوته بقى حاد من غير ما يقصد
البنت اللي كانت ساكتة طول الوقت شدّت شالها وقالت بخوف “في حارة ورا محطة مصر”
نادر اتحرك خطوة لقدام “باشا المنطقة دي مش أمان”
كريم ما بصلهوش حتى “العنوان”
البنت قالت بسرعة كأنها خايفة تغير رأيها “حارة أبو الليل جنب فرن العيش القديم أوضة فوق السطوح”
كريم قام واقف مرة واحدة مسك الرسمة بإيده وكأنها أغلى حاجة عنده وبص لرجالته “العربية”
“باشا العشا” نادر حاول يفكره
كريم لفله بعينين مظلمين “العشا يتلغى واللي مستنيني يستنى أو يمشي مش فارقة”
الرجالة سكتوا فورًا لأنهم عمرهم ما شافوه بالشكل ده قبل كده
ركب العربية والبنات واقفين يبصوا عليه بقلق وهو فتح الشباك وبص لهم تاني “استنوني هنا ولو حد ضايقكم كلموا الراجل ده” وأشار على واحد من رجاله اللي فضل واقف معاهم
العربية اتحركت بسرعة وسط زحمة وسط البلد وكريم قاعد ورا عينه على الرسمة وإيده مشدودة عليها كأنه خايف تختفي
كل ذكرى كانت بترجع مرة واحدة ضحكتها صوتها طريقة ما كانت بتناديه بيها ليلة ما اختفت من حياته
“مش ممكن” قالها لنفسه وهو بيبص للشارع اللي بيعدي بسرعة “أنا دفنتها بإيدي”
بعد نص ساعة كانوا داخلين حواري ضيقة النور فيها ضعيف والريحة تقيلة والأصوات جاية من كل ناحية عيال بتجري ستات بتزعق راديو قديم شغال من شباك مكسور
العربية وقفت قدام الحارة اللي قالت عليها البنت
“استنوني هنا” كريم نزل قبل ما حد يرد
طلع السلم الضيق بسرعة قلبه بيدق بعنف كل خطوة بتقربه من الحقيقة اللي ممكن تدمره أو ترجعه للحياة
وصل للسطح باب خشب قديم نصه مكسور نور خافت طالع من جوه وصوت كحة مكتومة
إيده اترعشت وهو بيزق الباب
الباب فتح ببطء وصوت صريره قطع السكون
دخل خطوة واحدة وبص
ست نايمة على سرير حديد قديم وشها شاحب وشعرها مبهدل وأنفاسها طالعة بالعافية
كريم وقف مكانه كأنه اتشل
قرب خطوة تانية وصوته خرج مبحوح “إيلينا”
الست حركت رموشها بالعافية وفتحت عينيها ببطء
نفس العيون
بصتله وكأنها شايفاه في حلم وصوتها طلع واطي ومكسور “كريم”
الدنيا لفت بيه وهو بيقرب أكتر مش مصدق إن اللي قدامه حقيقة
“إنت عايشة” قالها وهو صوته بيتهز
ابتسمت ابتسامة ضعيفة فيها وجع سنين “كنت عارفة إنك هترجعلي”
الكلمة خبطته في قلبه بس قبل ما يلحق يسأل أي حاجة الباب وراه اتفتح بعنف وصوت تقيل مالي المكان
“واضح إننا وصلنا في الوقت المناسب”
كريم لف ببطء وعينه اتحولت لحديد وهو شايف الراجل اللي كان المفروض يقابله على العشا واقف في الباب ومعاه سلاح ومجموعة رجالة وابتسامة باردة
واللحظة دي بس كريم فهم إن كل حاجة حصلت من سنين ما كانتش صدفة وإن إيلينا ما رجعتش له لوحدها
وإن اللي جاي هيكون حرب مش مجرد حكاية قديمة رجعت للحياة من جديدكريم ما اتحركش من مكانه بس جسمه كله شد كأنه نابض مستني ينفجر وعينه ما سابتش الراجل اللي واقف في الباب
“إنت” قالها بهدوء يخوف أكتر من أي صريخ
الراجل ابتسم ابتسامة واسعة وقال وهو داخل بخطوات بطيئة “وحشتني يا كريم باشا ولا إيه”
نادر واثنين من الرجالة طلعوا السلم بسرعة ووقفوا ورا كريم بس واضح إن عدد اللي في الباب أكتر والسلاح في إيديهم جاهز
إيلينا حاولت تقوم بس سعلت بعنف وكريم مد إيده بسرعة سندها من غير ما يبص لها “ما تتحركيش”
“سيبهاله بقى” الراجل قالها وهو بيقرب “كفاية عليه اللي شافه النهارده”
كريم ضحك ضحكة قصيرة من غير روح “هو إيه اللي أنا شفته بالظبط”
الراجل بص حوالينه كأنه بيستمتع بالمشهد “شفت إن الماضي عمره ما بيموت وشفت إن اللي بتدور عليه طول السنين كان تحت رجلك بس إنت كنت أعمى”
كريم قرب خطوة قدامه “قول اللي عندك على طول يا فؤاد أنا مزاجي مش رايق”
فؤاد رفع حاجبه وهو مبسوط إنه قدر يستفزه “طب ماشي ندخل في المفيد الست اللي وراك دي ما ماتتش زي ما إنت فاكر أنا اللي خلتها تختفي”
الصمت وقع تقيل
كريم حس إن الأرض بتهتز تحته بس صوته فضل ثابت “ليه”
فؤاد ضحك ضحكة عالية “عشان أوجعك عشان أشوف الراجل اللي محدش بيكسره بيتكسر قدامي واحدة واحدة وعشان أستخدمها لما أحتاج”
كريم قبض إيده لدرجة إن عروقه برزت “استخدمتها في إيه”
فؤاد بص لإيلينا بنظرة مليانة خبث “في أهم حاجة في حياتك”
كريم قلبه دق بعنف وهو بيبص لإيلينا “إيه اللي بيقوله ده”
إيلينا دموعها نزلت بصمت وهي بتبص له بنظرة مليانة خوف وذنب “أنا حاولت أحميهم”
“مين” صوته علي لأول مرة
فؤاد سبقها بالكلام وهو بيبتسم “البنات يا كريم التلاتة اللي تحت دول مش مجرد عيال شحاتة دول بناتك”
الدنيا سكتت تاني بس المرة دي الصوت اللي جوا كريم كان أعلى من أي حاجة
“كداب” قالها وهو بيهز راسه بس عينه على إيلينا
إيلينا غمضت عينيها لحظة وبعدين بصتله وقالت بصوت مكسور “والله هما بناتك أنا كنت حامل يوم الحادثة وهو خطفني قبل ما حد يعرف”
نفس كريم بقى تقيل صدره بيطلع وينزل بصعوبة وهو بيرجع بذاكرته لورا لكل حاجة كانت غلط وما خدش باله منها
فؤاد صفق بإيده ببطء “يا سلام على لم الشمل بس خلصنا بقى من الدراما”
كريم رفع عينه له ببطء والعتمة فيها بقت مرعبة “إنت لعبت اللعبة دي سنين طويلة أوي”
فؤاد ابتسم “وأخيرًا جي وقت الحصاد”
“حصاد إيه” كريم قالها وهو بيتحرك خطوة لقدام
فؤاد شاور لرجالته والسلاح اترفع “حصاد إنك تتنازل عن كل حاجة يا كريم شغلك فلوسك رجالتك أو أشوف قدام عيني الست دي وبناتك بيختفوا تاني بس المرة دي للأبد”
التهديد اتقال بهدوء مرعب
نادر همس “باشا”
كريم رفع إيده يسكته وعينه ما سابتش فؤاد لحظة واحدة بس جوه عقله كان في حاجة تانية خالص بتتحسب بسرعة
بص لإيلينا بسرعة “تقدري تمشي”
هزت راسها بالنفي
كريم أخد نفس عميق وبص لفؤاد تاني وابتسم ابتسامة صغيرة غريبة “إنت فاكر إني هسلمك كل حاجة كده بسهولة”
فؤاد ضحك “ما عندكش اختيار”
كريم قرب خطوة كمان لحد ما بقى قريب منه جدًا وقال بصوت واطي بس واضح “أنا عمري ما بلعب لعبة وأنا خسران فيها”
وفجأة النور قطع
السطح غرق في ضلمة كاملة وصوت ضرب نار دوّى في المكان وصريخ اتخلط بصوت خبط جامد
نادر كان اتحرك في اللحظة الصح وباقي الرجالة دخلوا من ورا من غير ما حد ياخد باله
كريم شد إيلينا بسرعة ووقع على الأرض جنب السرير وهو بيحميها بجسمه والرصاص بيعدي فوقهم
“امسكي فيا” قالها وهو بيزحف ناحية الباب الخلفي اللي شافه أول ما دخل
فؤاد صوته اتعالى وسط الضلمة “اقفله عليهم محدش يخرج”
بس كريم كان أسرع فتح باب صغير ورا الستارة وسحب إيلينا وخرجوا لسلم ضيق تاني نازل لتحت
“البنات” إيلينا قالتها بلهفة
“أنا مش هسيبهم” كريم رد بسرعة وهو بينزل السلم وقلبه بيدق بجنون
الصوت فوق لسه شغال ضرب نار وخبط وصريخ
نزل للدور الأرضي وخرج للحارة وهو بيبص حواليه بسرعة
البنات كانوا واقفين مكانهم بس مرعوبين
أول ما شافوه جريوا عليه
“بابا” الكلمة خرجت من واحدة فيهم من غير تفكير
كريم اتجمد لحظة بس ما كانش في وقت يفكر شدهم كلهم ناحيته وبص لرجالته اللي ظهروا من آخر الحارة
“خدهم وامشوا على المخزن القديم محدش يعرفه غيرنا” قالها بسرعة
نادر هز راسه وأخد البنات وهو بيجري
كريم لف لإيلينا اللي كانت واقفة بالعافية وسندها وهو بيبص لفوق للسطح اللي لسه فيه صوت ضرب نار
عينه بقت نار
“الحكاية دي لسه مخلصتش” قالها وهو صوته مليان وعد تقيل
وفجأة صوت طلقة واحدة مختلفة عن الباقي دوّت وسكون غريب نزل على المكان كله
كريم وقف مكانه وعينه وسعت وهو بيبص لفوق لأنه عارف الصوت ده كويس قوي
صوت رصاصة قناص
وساعتها بس فهم إن اللي بيلعب ضده مش فؤاد لوحده
وإن اللعبة أكبر بكتير من انتقام قديم وإن حد تالت لسه ما ظهرش قرر يدخل على الخط في أخطر لحظة ممكنةكريم رفع عينه لفوق وهو بيحاول يحدد مصدر الرصاصة بس الظلام كان تقيل والسطوح كلها شبه بعض وصوت صريخ فجأة طلع من فوق وقطع تفكيره
“فؤاد اتصاب”
الصوت كان واحد من رجالة فؤاد وكأنه مش مصدق
كريم قلبه دق مرة واحدة بس مش من التعاطف من الإحساس إن اللعبة اتقلبت فجأة
“خليكي ورايا” قالها لإيلينا وهو بيطلع تاني بسرعة على السلم قبل ما حد يفهم إيه اللي بيحصل
وصل للسطح بسرعة وفتح الباب بحذر
المنظر قدامه كان مختلف تمامًا
رجالة فؤاد متلخبطين واحد واقع على الأرض والتاني بيحاول يجره بعيد وفؤاد نفسه مرمي جنب الحيطة ماسك كتفه والدم مغرق إيده وعينه فيها ذهول وغضب
“مين اللي ضرب” كريم قالها وهو داخل بثقة غريبة
فؤاد بص له وضحك ضحكة موجوعة “مش أنا بس اللي كنت مستنيك يا كريم”
كريم عينه ضيقت وهو بيلف حواليه ببطء بيدور على أي حركة أي نفس غريب
وفجأة صوت هادي جدًا جه من وراه
“متتحركش”
الصوت كان بارد لدرجة إن الدم يجمد
كريم وقف مكانه بس ابتسم ابتسامة خفيفة “قناص بيكلم من مسافة قريبة مش أسلوب شغل نظيف”
“وأنت عمرك لعبت بنضافه” الصوت رد عليه بهدوء
كريم لف ببطء شديد
راجل واقف في الضلمة نص وشه باين والنص التاني مستخبي ملامحه مش واضحة بس حضوره تقيل وسلاحه موجه بدقة
“مين” كريم سأل وعينه فيه
الراجل نزل السلاح سنة صغيرة كأنه مش شايفه تهديد حقيقي “أنا اللي كان لازم يظهر من زمان”
فؤاد ضحك وهو بيكح “قوله يا سليم قوله الحقيقة كلها”
الاسم وقع في الجو تقيل
كريم حس بحاجة غريبة بتعدي في جسمه “سليم”
الراجل قرب خطوة للنور ووشه بان أكتر نفس الملامح الحادة نفس نظرة العين بس أهدى أخطر
“أخويا” قالها بهدوء
الصمت نزل على المكان كأنه خنقة
كريم عينه وسعت لحظة بس رجعت تقسى تاني “أخويا مات من زمان”
سليم هز راسه “إنت اللي اتقالك كده عشان تكمل طريقك من غير ما تبص وراك وأنا اتربيت في الضلمة لحد ما بقيت اللي شايفه قدامك”
كريم ضحك ضحكة قصيرة “والنهارده قررت ترجع”
“رجعت آخد حقي” سليم قالها وهو بيبص له بثبات “كل حاجة إتسرقت مني وأنا صغير الاسم الحياة وحتى الحقيقة”
إيلينا كانت واقفة ورا كريم سامعة وكل كلمة بتوقع زي الحجر
“وفؤاد” كريم سأل وهو مش شايل عينه من سليم
“أداة” سليم رد ببساطة “كان بيلعب دور الشرير بس اللعبة أكبر منه ومنك”
فؤاد زعق بغضب “إنت بتخون الاتفاق”
سليم بص له ببرود ورفع سلاحه وضغط زناده
طلقة واحدة أنهت صوته للأبد
الصمت بعد كده كان تقيل
كريم ما رمش حتى وهو باصص لجثة فؤاد وبعدين رجع عينه لسليم “عايز إيه مني”
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة “عايزك تختار”
“بين إيه”
“بين إنك تفضل كريم الديب اللي كل الناس بتخاف منه وتكمل الحرب دي معايا ضد كل اللي فوقنا” سليم قال وهو بيقرب “أو تمشي دلوقتي تاخد إيلينا وبناتك وتختفي بس ساعتها عمرك ما هتعرف الحقيقة الكاملة ولا مين دمر حياتنا من الأول”
كريم سكت
بص لإيلينا التعبانة وبعدين لباب السلم اللي نزلت منه بناته وبعدين رجع لسليم
كل حاجة في حياته كانت واقفة على اللحظة دي
إيلينا همست بصوت مكسور “أنا مش عايزة غيرك تعيش”
سليم قال بهدوء “وأنا عايزك تفوق”
كريم غمض عينه لحظة قصيرة كأنه بيقفل فصل كامل من حياته
وبعدين فتحها
وعينه كانت حاسمة
خطوة واحدة خدها لقدام ناحية سليم
ورفع إيده
لكن قبل ما يقول أي كلمة
صوت موبايل رن في جيبه
الصوت كان غريب في اللحظة دي
كريم طلع الموبايل وبص في الشاشة
رقم مجهول
رد
والصوت اللي جه من الناحية التانية خلا الدم يتجمد في عروقه
“لو فاكر إن دي كل الحقيقة تبقى لسه ما شفتش حاجة يا كريم… اللعبة لسه بتبدأ”
الخط اتقفل
كريم بص لسليم
وسليم ابتسم ابتسامة أوسع
وكأن الاتنين فهموا في نفس اللحظة إن القرار اللي هيتاخد دلوقتي مش نهاية الحكاية
ده أولها بسالهوا على السطح كان تقيل ومش متحرك كأن المدينة كلها حابسة نفسها مستنية كلمة واحدة تطلع من كريم بس هو ما اتكلمش على طول عينه فضلت بين سليم وبين الموبايل اللي لسه في إيده والكلمة الأخيرة بترن جواه زي صدى بعيد
“اللعبة لسه بتبدأ”
كررها بصوت واطي كأنه بيجرب طعمها على لسانه
إيلينا قربت منه خطوة بالعافية وإيدها لمست دراعه “كريم”
بص لها لحظة واحدة بس النظرة دي كانت كفاية تقول كل حاجة خوف حب سنين ضايعة وقرار لسه بيتولد
سليم واقف قدامه ساكت بس عينه عليه مركزة كأنه بيقراه من جوه
كريم نزل عينه للأرض وبعدين رفعها ببطء وابتدى يتمتم لنفسه بصوت واطي محدش سامعه غيره
“سبع سنين بدور على الحقيقة طلعت كذبة دفنتك بإيدي وطلعت عايشة هربي بناتي ولا أرجع آخد حقي ولو رجعت هرجع لمين لنفسي ولا لدمنا اللي اتسرق”
إيده شدت على الموبايل أكتر
“كلهم بيلعبوا بيا فؤاد اللي اتصل وحتى إنت يا سليم بس في حاجة واحدة محدش فاهمها”
رفع عينه لسليم وابتسامة صغيرة خطفت على وشه
“أنا لما بلعب مش بخسر”
سليم رد بابتسامة هادية “يبقى إثبت”
كريم لف وشه للضلمة اللي حواليهم وبص للمدينة اللي تحتهم النور فيها مرسوم زي شبكة كبيرة وكل نقطة نور فيها سر
رجع يتمتم تاني بس المرة دي صوته كان أوضح وأقسى
“لو اللعبة ابتدت بجد يبقى أنا اللي هكتب نهايتها مش هما”
إيلينا مسكت إيده بقوة كأنها خايفة يختفي منها تاني
كريم ضغط على إيدها ورد لها النظرة
وبعدين من غير ما يقول حاجة تانية لف ناحية السلم وابتدى ينزل
سليم ما اتحركش وفضل واقف مكانه يبص عليه وهو بيبعد
والابتسامة على وشه بتكبر شوية شوية
كأن اللي حصل كان بالظبط اللي هو عايزه
وتحت في الشارع صوت عربية اتحركت بسرعة وبنات صغيرين بيصرخوا “بابا”
وكلمة واحدة فضلت عالقة في الهوا وبين الجدران القديمة زي وعد ما اتقالش بصوت عالي بس كل اللي في القصة سمعوه
تمت