بعد ما أمهم ماتت

 

​”بعد ما أمهم ماتت، ربيت بنات أخويا التلاتة كأنهم حتة مني لمدة خمستاشر سنة… لحد ما أخويا ظهر فجأة الأسبوع اللي فات، مش عشان يعتذر، لأ.. ده عشان يسيب في إيدي حاجة دمرت كل اللي عشته وصدقته 😳 حاجة ولا تيجي في خيال بشر 😲😲”

​

​من ١٥ سنة بالتمام والكمال، كنت واقف كتفي في كتف أخويا وإحنا بنواري مراته التراب. الحزن كان كاسر وسطه، وكنت خايف عليه يطب ساكت من القهرة. لكن عمري ما تخيلت إن اليوم ده هيكون آخر عهدي بيه، وإنه هيختفي بعدها زي فص ملح وداب.. كأن الأرض انشقت وبلعته من غير ولا كلمة، ولا تفسير، ولا حتى وداع.

​ساب وراه تلات حتت لحم، تلات بنات زي الورد؛ عمرهم ٣، و٥، و٨ سنين. نظرة الخوف والكسرة في عنيهم لسه محفورة في قلبي، كأنهم مش مستوعبين إيه اللي بيحصل، ولا فاهمين ليه مفيش حد هياخدهم من إيدهم ويرجع بيهم على بيتهم يتغطوا ويناموا.

​تلات زهرات في مهب الريح

​حالة البنات وقتها كانت تقطع في القلب، كل واحدة فيهم عبرت عن قهرتها بطريقة توجع أكتر من التانية:

​الصغيرة (٣ سنين): كانت كل ليلة تسألني بصوت بريء ومكسور: “هي ماما هتيجي إمتى؟”. سؤال كان بينزل على قلبي زي السكي..نة.

​الوسطانية (٥ سنين): فضلت شهور متبتة في شنطة هدومها، رافضة تطلع منها أي حاجة، كأنها بتكدب على نفسها ومستنية إن الكابوس ده يخلص، وإن القعدة دي “مؤقتة” وهيرجعوا بيتهم تاني.

​الكبيرة (٨ سنين): أما دي بقى فدموعها نشفت بسرعة واختارت السكوت. بس سكوتها ده كان أتقل وأقسى من أي عياط؛ لأنه كان استسلام بدري أوي لدنيا قاسية، وشيلة تقيلة مفيش طفلة في سنها المفروض تشيلها.

​أنا السند والضهر.. بقوا “بناتي”

​في الأول، كنت بكدب نفسي وأقول: “أخويا هيرجع، أكيد في مصيبة أو عذر قهري خلاه يغيب”. أصل بالعقل كده، مفيش أب يسيب عياله في الدنيا دي لوحدهم بعد ما أمهم تروح بالشكل اللي يوجع القلب ده!

​لكن الأيام بتجر أسابيع، والأسابيع قلبت بشهور، والشهور بقت سنين طويلة… مفيش تليفون، مفيش مرسال، ولا حتى خبر يطمنا إنه لسه عايش على وش الدنيا.

​ومع الوقت، مابقاش قدامي حل غير إني أقفل باب الانتظار. وشوية بشوية، بقيت أنا الأب والأم، بقيت أنا الدنيا كلها للبنات دول.

​أنا اللي بصحيهم الصبح بدري، وأعملهم سندوتشات المدرسة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *