وحش وسط البلد ل مشيرة محمد

أنا يونس الديب. الناس في المنطقة بتخاف مني، وليهم حق بصراحة.. السمعة مبتجيش من فراغ.
بس كل اللي عملته في حياتي كوم، واللحظة اللي دخلت فيها هناء الدكانة دي كوم تاني خالص. اللحظة دي هزتني من جوايا بجد.
أنا مكنتش المفروض أكون هناك العصر ده أصلا. أنا صاحب العمارة اللي في شارع المعز—فيها محل موبايلات، ومصبغة، ومحل منظفات، كله بتاعي. كنت معدي بس عشان أقابل الوكيل بتاعي بخصوص تصليحات وإيجارات متأخرة. شغل عادي.. روتين ممل.
وفجأة، الجرس اللي على باب المحل رن.
ودخلت هي.
مكانتش من الستات اللي بيلفتوا النظر بمكياج ولا لبس غالي. كانت لابس عباية سمرة عادية جداً، وطرحة ملفوفة بسرعة كأنها نازلة تجري، وعينيها.. عينيها كان فيها كسرة وتقل يشيل جبال، كأنها شايلة هموم الدنيا كلها فوق كتافها لوحدها.
قربت من الكاونتر، وحطت موبايل آيفون قديم براحة خالص.
وقالت بصوت واطي ومكتوم: “يعمل كام ده يا فنان؟”
الراجل الشغال مسك الموبايل وقعد يقلب فيه: “الشاشة مشروخة يا مدام.”
”عارفة.”
”والبطارية كمان ضايعة وبتسرب.”
”عارفة.”
الواد هز كتافه ببرود: “آخرها معايا ألف ونص.”
حسيت بفكها اتشنج لثانية، وبعدين هزت راسها وقالت: “ماشى، موافقة.”
أنا كان المفروض أبص الناحية التانية ومقفلش دماغي معاها. أنا ياما شوفت رجالة بشنبات بتبكي قدامي ومتهزتش.. الوجع مبيحركش فيا شعرة بقاله سنين.
بس الطريقة اللي بصت بيها للفلوس؟
كأنها كانت عارفة ومتاكدة إنهم مش هيكفوا.
الحركة دي وجعتني في مقتل، أكتر من أي منظر دم شوفته في حياتي.
الواد بدأ يكتب الوصل وسألها: “سبب البيع إيه؟ عشان بس نكتب في الدفتر.”
هناء ترددت ثانية..
الواد برطم: “عشان الإجراءات بس يا مدام.”
بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت هربان منها: “عشان بخاخة ابني..”
المكان كله ضلم وفضى في عيني في اللحظة دي.
كملت وهي بتداري دموعها: “الواد الصغير عنده حساسية على الصدر، ونفسه مكتوم من الصبح، ولازم أجيب العلاج الليلة دي.”
حسيت بحاجة بتتلوى جوة صدري.. وجع حقيقي.
الواد ورا الكاونتر عدلها الفلوس، وهي خديتهم وبدأت تعدهم وإيديها بتتراش: “خلفمية.. ألف.. ألف وميتين.. ألف ونص..”
مفيش أي راحة ظهرت على وشها.. بل بالعكس، وشها اتخطف أكتر.
طبت الفلوس بحرص في جيب العباية، وخرجت تجري في شوارع وسط البلد والجو كان برد وبيمطر.