الوشم

إبراهيم وقف مكانه، كأن رجله غرزت في أرض الورشة ومش قادر يتحرك خطوة واحدة زيادة. عينيه كانت رايحة جاية بين رزم الفلوس المترصصة جوه الشنطة والورقة الصغيرة اللي مكتوب عليها بخط إيدها الحاد: “2,000,000 جنيه.. تمن السكوت.”

الورشة كانت ضلمة، مفيش فيها غير لمبة نيون واحدة بتعلق وتطفي، بتعمل صوت زنة في ودانه زادت من دوشة دماغه. ريحة الخشب والنشارة اللي طول عمرها بتطمنه، الليلة دي كانت خانقة. حس إن الفلوس دي مش مجرد ورق، دي حكم إعدام على كرامته وعلى حقه في بناته.

سحب نفس طويل كأنه بيحاول يملى صدره بالهوا اللي هرب منه، وبص برا الورشة من شق الباب الخشب القديم. العربية الجيب السودة الفاميه كانت لسه واقفة على أول الشارع، مفيش حد نزل منها، بس نور الفانوس الصغير اللي جوة العربية كان مبين ضل راجلين ضخام قاعدين مستنيين. هما مش جايين يدوله الفلوس ويمشوا، هما جايين يضمنوا إنه استلم تمن البيعة.. تمن بناته.

فجأة، تليفونه القديم اتهز في جيبه. أخرجه بسرعة وهو إيديه بترتعش. شاشة التليفون المكسورة نورت باسم “أختي مريم”. مريم هي اللي قاعدة مع ابنه يوسف في الشقة اللي فوق الورشة.

فتح الخط بسرعة وصوته طالع مكتوم: “أيوة يا مريم؟ يوسف صحي؟”

صوت مريم كان واطي ومرعوب، كأنها بتتكلم من تحت السرير: “إبراهيم.. أنت جيت؟ انزل بسرعة أو اقفل الورشة.. فيه عربية سودة غريبة واقفة تحت البيت من مغرب الشمس، وفيه واحد نزل منها وسأل البواب عليك وقال له إحنا تبع كاميليا هانم وعايزين إبراهيم في شغل.. إبراهيم، شكلهم يخوف، وأنا قفلت الباب بالترباس والترباسين.”

إبراهيم حس إن قلبه هيقف. كاميليا منفذتش تهديدها لسه، بس بتوريه إنها قادرة توصله في ثانية، وإن ابنه يوسف تحت رحمتها لو فكر يلعب بديله. بلع ريقه وحاول يخلي صوته طبيعي عشان ما يرعبش أخته: “أنا تحت في الورشة يا مريم، متخافيش. اقفلي النور ونامي أنتِ ويوسف، ومحدش يفتح الباب لأي سبب.. أنا هخلص شغل وأطلع.”

قفل التليفون وبص للشنطة. اتنين مليون جنيه. الرقم ده بالنسبة لنجار زي حالاته، عايش اليوم بيومه وبيدبر مصاريف مدرسة يوسف بالعافية، يعتبر رقم فلكي. يقدر يشتري بيه الورشة دي بدل ما هو مأجرها، يقدر ينقل يوسف مدرسة نظيفة، ويجيب له كل اللعب اللي بيحلم بيها. بس السعر إيه؟ إنه يبيع تلات بنات من لحمه ودمه، يبيع بناته اللي عينيهم شبه عينيه، اللي البوصلة المكسورة على دراعه هي الحبل الوحيد اللي بيربطه بيهم.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *