بقلم الشيماء مسعد

غادر وتركها صعد الدرج اما عنها فقد فقدت كل ذرة ثبات بها سقطت جالسة على الأرضية ضامة رجليها إلى صدرها كانت أطرافها مجمدة قلبها يخفق بشدة ترتعد كليا .

سقطت دموعها من شدة الخوف ظلت هكذا قرابة الساعة كان يراقبها من أعلى الدرج ، اخيرا استعادت ثباتها هبت واقفة ولم تعد تشعر بالجوع ..نظرت إلى طبق الفاكهة بتهكم هل استحق كل ما تعرضت له بسببك لقد كنت على وشك فقد حياتي بسبب الطعام لما العجب فهناك من يفقد حياته منتظرا فتات الطعام هناك اخواننا في غزة ينتظرون وينتظرون دورهم في جلب بعض مما يسد الجوع وبالاخر يقصفون جائعين يا لها من شدة وقد طالت .
الخوف ذلك الاحساس اللعين الذي يحتل قلبك يجعلك لا تفكر في شئ سواه قادر على طرد أي شعور اخر بداخلك ، قادر على جعلك تفقد صوابك ، تركيزك حتى شهيتك
تحركت نحو الأعلى ببطء شديد وكأنها كانت تجبر قدميها على السير ..
رأها بهذا الوضع المثير للشفقة ، لكنه لم يشفق عليها ولو كان شعر بالشفقة لكان نهر نفسه ، دائما كان يشعر بالشفقة حيال أولئك الملعونين الذين يتسببون في أذى الأبرياء ، تراجع سريعا حين طرأ على ذهنه “لقد قالت جائعة لكنها لم تتناول حبة واحدة ” لكنه برر ذلك لقد اختفها بما يكفي اجل هذا جيد عليها ان تعلم بأنني اتربص لها دائما ..
انها تبدو كالملائكة تمتلك ملامح بريئة كالاطفال لكن لن انخدع هذه المرة ، لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين كل من تملك وجه برئ تخفي خلفه وجوه كثيرة شيطانية ..
القى بجسده على الفراش داهمته الذكريات التي دائما تخترق خلوته تعذبه وتمزق قلبه أشلاء سرح فيها كم كانت تبدو بريئة
تذكر اول لقاء
كان عائدا بسيارته من عمله في منتصف الليل وجد تلك الفتاة الملقاة بجانب الطريق لمحها ممدة رفعت يدها بالكاد أشارت له بيدها انتبه لها اسرع يإيقاف سيارته هبط منها مسرعا وجد فتاة تنزف من رأسها أثر جرح وكزها بخفة
قائلا : انتي يا آنسة انتي كويسة ؟
فتحت عينيها ببطء وقالت بصوت خافت : انقذني هيقتلوني
نظر حوله وأشهر سلاحه لف بكل الاتجاهات لم يجد أحدا لقد كان الطريق خالى تماما
تحدثت مرة أخري قبل أن تفقد وعيها : انقذني….
حملها إلى السيارة وضعها فى الخلف قاد السيارة متجها إلى المشفى ..
بعد أن وصل بها واتخذ الإجراءات اللازمة لعلاجها وقام الأطباء بتطبيبها .
كان وافقا خارج الغرفة يستند بظهره على الحائط حينما خرج الطبيب ليخبره : احنا عملنا اللازم بس هي هتبقى تحت الملاحظة لحد ما تفوق ولازم يتعمل محضر عشان نعرف مين اللي عمل فيها كده
هز رأسه واتجه إلي غرفتها طالعها بدقة قبل أن يراها كان مقتنع انه يقرأ الناس من اوجههم لكن هل هذه حقيقة ؟
دقق النظر إليها تبدو بريئة جدا في نومها لكن لما تبدو حزينة حتى وهي نائمة
مر الوقت وهو واقف يتسائل ما قصتها ، فضوله الذي اكتسبه من عمله دفعه لينتظر حتى يفك اللغز
فاقت اخيرا كانت تتأوه فتحت عينيها نظرت حولها تبين لها انها في المشفى كان مصوب نظره عليها تحرك تجاهها مردفا :
_ حمدالله على السلامة ؟
_ الله يسلمك ، أنت مين
_ انا منقذك ، قالها بغرور رافعا حاجبه الأيسر
بدأت تنتحب واضعة يديها على وجهها
عقد حاجبيه ، سحب مقعد ليجلس بجوار السرير وسأل : ايه اللي حصل معاكي ، احكي ؟
رفعت وجهها قائلة : فيه ناس هجموا علينا في الفيلا بتاعتنا قتلوا بابا واخويا وكانوا عايزين …… صمتت قليلا
ثم تابعت : كانوا عايزين يعتدوا عليا ولما جريت منهم كانوا هيقتلوني
حك ذقنه وقال : عنوانك ايه ، واسمك
ابتلعت ريقها وقالت : اسمي فريدة هاشم الرفاعي بابا رجل الأعمال المشهور هاشم الرفاعي
كنا عايشين في أمريكا انا وبابا واخويا
بكت أثر ذكر والدها وشقيقها وتابعت : جينا نصيف هنا في اسكندرية السنة دي ما كنتش فاكرة ان ممكن يحصل معانا كده
زاد نحيبها وتابعت
بس فجأة هجموا علينا وولعوا في الفيلا كلها هما قاصدين بابي عشان كانوا منافسينه في الشغل انا متأكدة بابي مالهوش اعداء انا خايفة اوي ، هما مش هيسيبوني في حالي عايزين يتخلصوا مني عشان مايبقاش حد وريث لبابي وياخدوا كل حاجة
كان ينظر إلى وجهها مباشرة لم تكن تمثل حتما تقول الصدق داهمها بسؤاله : قلتي والدك اسمه إيه
ردت مسرعة : هاشم الرفاعي
هز رأسه وقال استني هنا هارجعلك
خرج مبتعدا عن غرفتها أجرى اتصالا هاتفيا اتاه الرد
قال رازي بحزم : هاشم الرفاعي عايز كل تفاصيل عن الراجل دا وهل هو فعلا اتقتل ولا لا
اغلق فورا
ثم عاد إليها: أنا كلمت الدكتور تقدري تخرجي دلوقتي فيه حتة معينة اوصلك ليها
وضعت يديها على وجهها كالاطفال وقالت : أنا معنديش مكان ابات فيه بيتنا اتحرق واكيد هما بيدوروا عليا عشان يقتلوني
زفر بضيق وقد نال منه التعب والإرهاق فقد كان عائدا من عمله قال : هاضطر اخدك معايا البيت ، وما تقلقيش انا عايش مع امي و اخويا الصغير وفيه كمان خدامين
نظرت له بامتنان وقال : شكرا بجد انا عمري ما هانسى موقفك معايا انت فعلا رجل نبيل
فاق من شروده وكان صدره يعلو ويهبط بقوة وكأن حريقا نشب للتو بين ضلوعه كور يده حتى برزت عروقه بعدها رفعها يتحسس بها ذراعه الذي لا يستطيع تحريكه
اغمض عينيه بعنف يتمنى لو يصاب بفقدان جزئي للذاكرة حتى ينسى كل تلك الذكريات التي تؤرقه وتغزو فكره تسرق النوم من عينه …لكن هيهات لقد أقسمت على ان تعيد نفسها كل يوم أمام خاطره كأنها مسلسل لا ينتهي من العذابات
استدار ناحية الحائط ليكف عن التفكير بأي شئ بعد محاولات عديدة استطاع ان يجد النوم سبيلا لمقلتيه التى يجافيهم كل ليلة ..
سلاسل الشمس الذهبية احتلت كل انش من القصر معلنة عن بداية يوم جديد ظلت قدر مستيقظة قرابة الشروق لم تنم الا السادسة صباحا لذا ظلت نائمة على عكس طبيعتها التى تحب الاستيقاظ مبكرا
اما عن رازي فقد اعتاد ان يركد في المضمار مرات عديدة نتج عن ذلك الركد هذا الجسد الرياضي الفارع الممشوق مفتول العضلات ، يساعده أيضا الركد على ابقاء أعصابه في حالة جيدة من الاسترخاء
اليوم شاركه الياس ومهاب في هذا السبق كانوا يركدون بحماس ومهاب والياس يرشون بعضا بمياه الزجاجة التي كان يحملها كل واحدا منهما ورازي ينظر إليهم ويضحك
نظرت من الشرفة لمحتهم ابتسمت بتلقائية على أفعالهما الصبيانية لكنها تمنت حقا لو تشاركهم الركد تود تجربة اشياء كانت محرمة عليها في الماضي ولكن … هناك من يتربص بها كما قال لها هناك شخص لا يرغب بوجودها
زفرت بتعب وقررت ان تمكث في غرفتها ، لقد اصدرت امعائها اصواتا معلنة انها تريد الطعام احتضنت معدتها كانت ستدخل لكن الياس انتبه لها لوح لها بيده وقال بصوت مرتفع وصل لها : قدر انزلي هنفطر برا في الجنينة .
هزت رأسها ودلفت الي الغرفة تستعد للنزول
في الحديقة لاحظ الياس عبوس رازي عندما لمح قدر
ربت على كفه وقال بنبرة هادئة : رازي لو سمحت البت دي ظروفها صعبة ممكن تتعامل معاها بطريقة افضل من كده ، هي كويسة والله
هتف رازي بانفعال حاول تمالك أعصابه لكنه فشل : كلهم بيكونوا كويسين في البداية ، المظاهر خداعة.
اسرع مهاب لانهاء الشجار قائلا : البت دي انا مربيها على ايدي
رمقه الياس بنظرات مندهشة فهذه كذبة غير منطيقة بالمرة
اسرع ليصحح كلامه : قصدي يعني هي معرفة قديمة وانا عارفها كويس
أنهى الياس الحديث قائلا : قفلوا على الموضوع البت جاية اهي
تحدثت بنبرة هادئة منخفضة : صباح الخير
ردوا جميعا بصوت واضح عدا رازي الذي رد بصوت لم يظهر وكأنه حرك شفتيه فقط
اردف الياس : اسحبي كرسي وتعالي يا قدر هنفطر هنا
******************
لقد مر شهرا كامل على هروب قدر الوضع اكثر تأزما الان ممدوح الصاوي كالبركان الثائر تأكله النار من الداخل ، لم يترك نقرة الا وقد نقب فيها عنها ، أين اختفت هل سافرت لقد بحث حتى في المطارات على اسمها ولم يجد ، على الرغم من ان هذا الاحتمال مستبعد لأنها لا تملك نقود او جواز سفر لا تملك سوى بطاقتها الشخصية التي اخذتها معها

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *