بقلم امل نصر

– كفاية خلاص يايمنى سيبيه، كفاية بقولك؟.
هتفت بها صفاء فجأة اجفلتها عن ماكانت تفعله، لتجدها اقتربت تتناول منها الحقنة من بين اصابعها، وتُبعدها عن الطفل الصغير ، حدقت بها يمنى لعدة لحظات وكأنها لا تستوعب مايحدث، راقبتها وهي تلتقط بسرعة البرق، إحدى الأوردة لتغرزها به، وهي التي ظلت لفترة لاتعلم مدتها تبحث عنها بيأس بذراع الطفل المنفجر من البكاء بحضن والدته؛ التي انصرفت على الفور، لا تصدق انتهاء هذه اللحظة العصيبة عليها وعلى طفلها .
زفرت مطولًا صفاء زميلة يمنى وصديقتها وهي تنظر بأثر المرأة التي انصرفت مهرولة ، قبل ان تلتفت الى يمنى التي جلست بتعب على احد المقاعد في الحجرة الطبية داخل الوحدة الصحية الخاصة ببلدتهم، لتضع كف يدها على رأسها وتغمض عيناها بإرهاق:
– ايه اللي حصل ؟ دي مش عادتك يايمنى، دا انت ايدك تتلف قي حرير يابنتي.
سالت صفاء وهي تقترب منها فرفعت الاَخرى اليها رأسها قائلة بتشتت:
– والله ما انا عارفة ياصفاء ، بس انا اللي متأكده منه وفاكره، هو اني فجأة وانا مركزة في البحث عن وريد في ايد الطفل الصغير، عقلي شت منى وتركيزي راح في حتة تانية، اتغلوشت قدامي الرؤية ومابقتش شايفة وريد ولا حتى حاسة بيه.
اقتربت صفاء لتجلس امامها قاطبة الحاحبين، تسألها باستفسار :
– يعني ايه كلامك دا؟ طب انتِ سرحتي في ايه يايمنى بالظبط؟
أشاحت بوجهها عنها بحرج تريد الهرب من اجابة السؤال، ولكن صفاء ألحت عليها به فاضطرتها للإجابة مضطرة :
– بصراحة قلبي اتقبض كدة ومخي راح على الراجل اللي حكيتلك عليه قبل كدة.
ارتفع حاجبيها بالجفنين وانخفضوا مرة أخرى تحاول الإستيعاب، فلوحت لها بسبابتها قائلة:
– الراجل اللي حكتيلي انك دايمًا بتحلمي بيه؟
اومأت برأسها صامتة فضربت الأخرى كفها بخفة على سطح المكتب القريب منهم، قائلة :

– ازاي يعني؟ دا غريب عنك وانتِ يدوبك تعرفي اسمه، دا غير اللي حكتيه عنه وعن اللي عمله، ايه يايمنى دا انت حتى طول عمرك خط مستقيم زي السيف وكلام العشق والحب بتاع البنات؛ بتعتبريه تفاهة وخفة عقل.
هتفت بتعب :
– وانتِ مين قالك بس اني بحبه ؟
– امال تسمي الحالة اللي انتِ فيها والتوهان دا إيه؟
انفتح ثغرها وانغلق لعدة مرات، تفكر بجملة مفيدة ترد بها على صديقتها ثم مالبثت ان تقول بيأس:
– مش عارفة، والله ماعارفة، بس انا تعبت ومش لاقية أي إجابة للسؤال ، ايه بيربطني مع البني أدم ده ؟ ويخليني دايمًا كدة بفكر فيه، مش عارفة، بجد مش عارفة .
خرجت كلماتها الاَخيرة بانهيار اثار شفقة الأخرى، فاقتربت تربت على ذراعها بتهوين :
– خلاص طيب هدي نفسك وماتزعليش، واكيد مع الوقت هاتلاقي تفسير للي محيرك ده.
تنهدت بالم ناظرة للأعلى :
– ياريت ياصفاء، انا طول الوقت بدعي لربنا عشان ارتاح وارجع لحياتي الطبيعية بقى، التفكير دا شئ صعب قوي، بيستهلك طاقتك ويعيشك في دوامة خصوصًا مع حاجة غريبة زي دي.
أومات لها صفاء بتأييد، تمسح بكفها على ذراع يمنى بدعم ، انتفضت يمنى فجأة لتقف على أقدامها وقالت:
– بقولك إيه انا تعبت وعايزة اروح، كدة كدة التركيز ضايع مني، وشكله كدة مافيش أمل لرجوعه النهاردة، هاخدها من قاصرها واستأذن بقى وامشي أحسن..
– طب استنيني هنا من غير ماتشتغلي ، على ما اخلص ونروح مع بعض؛ بدل ماتمشي لوحدك .
تحركت يمنى على عجل، قائلة بقلق :
– متزعليش مني ياصفاء، بس انا مش هاقدر استنى، عشان بصراحة حاسة بقلق وعدم راحة وعندي رغبة قوية اني اروح .
أومات لها صفاء باستسلام :
– خلاص روحي.
………………………

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *