بقلم امل نصر

……
الفصل الخامس
وفي مكان اَخر ، قصر كبير يتوسط مساحة هائلة من الخضرة ، يحاوطه سور خرساني، تتدلى فوقه الى الخارج ،أغصان الشجيرات الكبيرة والمعمرة، وفي الداخل المبنى العمراني الكلاسيكي يشهد على ثراء العائلة الفاحش وأصولها التاريخية، كان ممتلئ القصر على اَخره بأفواج المعزين من أهل القرية الفقراء منهم والأغنياء، من جميع الطبقات ، و رجال غرباء من جميع القرى المجاورة ، بالإضافة الى مجموعة كبيرة من الشخصيات المهمة والمسؤلين، أتت من عدة محافظات وأماكن معروفة في الدولة، فالمتوفى ليس شخص عادي كأي شخص، المتوفى كان في فترة قريبة من الزمن يحتل كرسي النائب عن الدائرة لعدد كبير من السنوات، قبل أن يصيبه المرض ويتركها مضطرًا لأكبر أبنائه، وكأنه جزء من الميراث او شئ يخص العائلة .
الصالة الكبيرة بالمنزل امتلأت بعدد كثير من النساء التي اتشحت ملابسها بالسواد، أتين هنا أيضًا لعزاء زوجة النائب السابق وام النائب،الحالي، ولكنها على غير المعروف، لم تكن موجودة في هذا الوقت، لتتلقى العزاء مع بناتها ومعظم نساء العائلة من شقيقات وقريبات للعائلة العريقة بأصولها التي تمتد بجذورها الى الأسرة المالكة سابقًا .
كانت المرأة موجودة بغرفتها بالطابق الثاني ، واقفة امام النافذة تنظر للمساحة الخضراء التي تملكها على مرمى البصر أمامها، وحدها بعد ان أمرت الجميع بتركها والإنصراف كي تنفرد بنفسها وتستريح قليلًا ، هذا إن استطاعت ؟
انتبهت على طرق خفيف على باب الغرفة فهتفت غاضبة:
– انا مش قولت عايزة اقعد لوحدي ومش،عايزة اشوف حد .
وصلها الصوت الرجولي،
– دا انا يأمي، مش حد غريب ممكن ادخل لو تسمحي؟ .
– اتفضل ياولدي ادخل.
سمحت له بالدخول وهي تتحرك من امام النافذة لتجلس بأحدى اركان الغرفة الواسعة، أشارت له بالجلوس معها فور ان دلف اليها ، وسألته :
– ها ايه الاخبار ؟
أجابها بإرهاق :
– الحمد لله اليوم عدى على خير ، رغم اني اتقطم وسطى ومابقتش حاسس بضهرى ولا رجلي من كتر الوقفة والتعب ، في استقبال العزا، الناس اللي جات ماليها عدد، دا غير الوزراء والمحافظين واصحاب المرحوم من النواب السابقين والحالين .
أؤمت برأسها تسأله :
– واجواز اخواتك، كانوا واقفين معاك زين ولا استهبلوا زي عادتهم؟
اجابها بدهشة :
– اهم دول بقى النهاردة، كانوا واقفين معايا زي الساعة، ومقصروش عني لحظة، وعيال اعمامي وعماتي كمان، مافيش واحد فيهم غاب .
بشبه ابتسامة ساخرة ردت على كلماته :
– فرحانين بقى حقهم، ماهم اَخيرًا هايورثوا بعد اللي كان واقفلهم فيها زي اللقمة في الزور.
اومأ برأسه صامتًا فسألته والدته :
– وعملت ايه في الموضوع اياه ؟
تحركت رأسه بيأس وقال :
– للأسف اختفى زي الزئبق وماحدش عرف يجيب خيط واحد يعرفنا مكانه .
– كيف ؟ انا اللي اعرفه ان الرجالة حراس ابوك ، اصابوا كتفه بطلقة من مسداستهم، يعني اكيد راح مستشفى ولاحتى عيادة.
– دورنا في كل مستشفيات المحافظة والوحدات الصحية في القرى القريبة، مافيش مخلوق دخل بالأسم ده عنديهم، وحتى في العيادات المعروفة، فبرضوا الرجالة راحو وسألوا فيها، ومافيش نتيجة.
شددت نحوه قائلة بصرامة:
– لازم تلاقيه ياعثمان، مهما اختفى لازم تعرف طريقه،
– اومأ لها يرد :
– ماتقلقيش ياامي، احنا بندور في كل حتة، وخليكي مطمنة اننا هانعثر عليه، ومهما كان ذكائه، اكيد في يوم هايجيلنا برجليه في الاَخر، عشان يشوفها ، ولا انتِ نسيتي بقى انها معانا في نفس البيت، بعد ماطلعناها من المستشفى؟