بقلم امل نصر

قالتها نجية بتساؤل أربكها عند الرد، فلم تدري بماذا تجيبها مع هذ التخبط الذي ينتابها هذه الأيام وبكثرة؟ فخرج صوتها بتلعثم؟
– يعنى هاكون سرحانة في ايه بس ياما؟ عادي.
رددت نجيه خلفها بعدم تصديق:
– اممم عادى! طب أخلصىي قومي أعملي كوبايتين شاي وطلعيهم لعمك وأبوكي فوق على السطح.
أومأت برأسها تجيب بطاعة :
– حاضر.
صاحت عليها مرة أخرى بحزم:
– اخلصي يا يمنى! متتأخريش على ابوكي وعمك هو انتي لسة هاتفكري وتتمطعي مكانك؟
– قايمه اهو، على طول يا أمي والله .
قالتها وهي تنهض عن مقعدها بسرعة، مما جعل نجيه تتركها وتدلف إلى الداخل، تنفست يمنى صاعداً ثم همت لتذهب وتعد ما طُلب منها، ولكن قبل أن تتحرك وقعت عينيها على ماكانت ترسمه، لتجدها نفس العينان التي تراها في أحلامها منذ فترة .
فحدثتها يمنى وكأنها شئ ملموس وقالت:
– طب أقول لأمي أيه؟ أقولها إني بشوف واحد في منامي مش باين منه غير عنيه، وأنا اساساً معرفوش على الحقيقه؟ أكيد هتقول عليا مجنونة ! أكيد!
………………
صعدت يمنى إلى السطح بعدما أعدت الشاي كما طلبت منها والدتها لأبيها وعمها الساهران رغم البرودة في هذا الوقت المتأخر من الليل وقد قاربت الساعة على الواحدة صباحًا، رغم برودة الليل والظلام المخيف في معظم الانحاء حولهم، أشفقت يمنى على اباها، حينما وجدته جالس أمام النار التي أشعلها مع أخيه يونس لتعطيهم بعض دفئها وحراراتها؛ ألا يكفى للرجل شقاء النهار في عمله وزراعة الأرض، ليُحرم من النوم ليلاً ويقضي معظمه في حراسة المنزل ايضًا!
– يمنى تعالى يا بابا.
قال سالم بعد أن أجفل لرؤيتها وهي تتقدم نحوهم، فخاطبها ايضًا عمها يونس وهو يفرك بيديه أمام النار:
– توك واصله! دا احنا بقالنا فترة مستنين يابنت أخويا.
– معلش ياعمي، بس والنعمة أنا قومت على طول أول أما قالتلى أمي.
قالتها وهي تناول الاثنان كاساتهم من الشاى
يونس وهو يرتشف من الكوب الزجاجي ويتلذذ بمذاق الشاي
– تسلم أيدك يابت يا يمنى، كوباية عنب، تعمر الدماغ بصحيح.
قال سالم هو الاخر:
– جات في وقتها، خليها تدفينا شوية في الليلة اللي ما راضية تعدي دي، صوت الديابة مع السقعة الشديدة، دا غير الغيام اللي مغطي النجوم، وحاجب ضي القمر؛ حاجة تقبض القلب.
يونس وهو يتطلع برأسه حولهم في جميع الأنحاء:
– اهي الليالي دي بتبقى عيد للحرامية.
أومأ سالم برأسهِ يوافق أخيه الرأى بغصة مريرة في حلقهِ وقال:
– انت هتقولي ! يعنى مش كفاية التعالب اللى بتنزل ليلاتى تاكل الطيور من داخل بيوتنا كمان يطلعلنا أولاد الحرام دول ويسرقوا البهايم إللى ساترانا أحنا وعيالنا! منهم لله حرموا علينا النومة في قلب بيوتنا.
جلست يمنى بجوارهم أمام النار تستمع بتركيز، وأكمل يونس.
– امال لو تعرف أني سمعت من جماعة صحابى من يجى يومين كده أنهم شافوا ديب نازل من الجبل.
خرج صوت سالم بنبرة جزعة:
يانهار أسود، دا تلاقيه جاع وملاقاش أكل في منطقته، استرها علينا يارب استرها.
هم يونس بالرد، ولكن أوقفه هذا الصوت القوي والذى أجفل الثلاثة منتفضين .
تكلم سالم، وهو يتناول ببندقيته لينهض بسرعة ليتفقد الوضع من سور السطح:
– ياساتر يارب! ضرب النار دا جاي منين! :
– دا لازم الحرامية نزلوا البلد تاني، دي باينها ليلة مجندلة من اولها، الواحد كان قلبه حاسس:
قالها يونس وهو ينهض أيضاً مع أخيه، ليتفقدا الطريق المؤدي للجبل والمنازل والطرقات المتفرقة على مرأى أبصارهم.
أردفت يمنى بخوف وهي تقف على مسافة قريبة منهم:
– يابويا تعالى أنزل شوية، وأعملوها دوريات انت وعمى.
سالم وهو ممسك بسلا..حه بحذر وعينيه تنظر بعيداً بترقب وتركيز:
– انزلي أنتي يا يمنى وأتأكدي من قفل الشبابيك والأبواب كويس.
همت لتجادل أباها ولكن مع انطلاق سيل الطلقات النارية مرة ثانية اللجمها الخوف عن الحديث، فصمتت تنظر بالقرب منهم بقلق:
– ياساتر يارب، صوت الضرب مش راضي يوقف هو أيه اللي حاصل بالظبط؟
قالها يونس وهو ينظر لأخيه الكبير سالم برعب جلي والذى بادله الاَخر نظرته بقلقٍ بالغ.
– ربنا يستر يايونس، دا انت بينك صدقت لما قولت عليها ليلة مجندلة من اولها.
يمنى وهي تنتفض من الخوف خرج صوتها بارتعاش:
– يا بويا أرجوك تنزل أنت وعمي دلوقتي، وبعدين اطلعوا على ما يسكت ضرب النار دا شوية، في الليلة اللي ما راضية تعدي دي !
نَهر سالم ابنته بعد أن أجفل لرؤيتها، ثانيةً يخاطبها بنبرة حانقة :
– أنتِ لسه جاعدة مكانك يا يمنى؟ أخلصي يابت انزلي وأعملي اللي جولتلك عليه.
– لكن يابويا..
– اخلصي يا يمنى وأكدي كويس على قفلهم.
قالها سالم بقوة وحسم، فأذعنت يمنى مضطرة ونزلت الدرج بخطواتٍ مثقلة وذهنهاً مشتت خوفاً وإشفاقاً على أبيها وعمها الشاب، وبداخلها تردد في الأدعية الحافظة حتى ينجي الله الاثنان:
…………………….