بقلم امل نصر

****
بعد أن خرجت نجية مهرولة من الغرفة تلبيةً لنداء زوجها الذي كان يهتف عليها خارج الغرفة، وقد أمرت يمنى بمساعدة صالح وإطعامه, ظلت يمنى متسمرة محلها لعدة دقائق وهي تنظر في أثرها مصدومة، ومع سماعها لكلماته ازداد حنقها منه ومن خبثه،
أما هو, فكان ينظر إليها بتسلية وابتسامة جانبية في انتظار رد فعلها وهي في صراع مع نفسها بين ضميرها المهني وبين امتعاضها من هذا الرجل واستفزازه لها , زفرت للمرة الألف ثم أجمعت أمرها، أن تعامله مثلما قال كأنه مريض عادي
جلست أمامه بوجه محتقن, لتطعمه بيداها وهي متجهمة الوجه تحصى الدقائق, حتى تنتهي من هذه المهمة الثقيلة على قلبها وهو كان يتناول الطعام منها بفمه، فيأكل بشهية وأستمتاع مستغلاً هذا القرب في النظر اليها, ليزيد من غضبها المكبوت نحوه، وعيناه العميقة تلاحق كل تفصيلة او لمحة بوجهها،
ثم مالبث أن يتخلى عن بروده قليلًا وفاجأها بسؤاله:
– أنتى شوفتيني فين سابق؟ عشان ترسمي عنيا بالمظبوط كده؟
قطبت حاجبيها في البداية ثم زفرت متأففة تجيبه بسأم:
– أنت برضو هتجيب سيرة الرسمة؟ ياسيدي أنا أول مرة أشوفك كانت أمبارح.
– يعني لحقتي في الوقت القليل ده ترسميني!
سأل بتركيز معها، تركت هي ما بيدها تستغفر ربها قبل أن تردف بتعب:
– ياسيدي وأنت مين قالك إن دي عيونك بس!
اجابها بثقة:
– انتي! بارتباكك ده ! دا غير أني مش تايه عن تفاصيل وشي يعني !
ذامت شفتيها غيظًا من اصراره عليها ، فقررت أن تغير دفة الحديث وتسأل هي ايضاً!
– طب قولي أنت الأول, أنت من بلدنا ولا غريب؟
ضيق عينيه بتفكير ثم ابتسم قائلًا:
– يعنى بتردي السؤال بسؤال؟ ماشي ياستي، أنا هجاوب على سؤالك، بس على شرط تجاوبي أنتى على سؤالي كمان.
نظرت اليه بتوجس وهي صامتة وهي لم تقرر بعد الإجابة عن سؤاله، فأكمل هو:
– هعتبر السكوت علامة الرضا وابتدي أنا بالإجابة وأقولك، أنا فعلا غريب عن بلدكم .
– ولما أنت غريب، عرفتني إزاي؟
سألت، وأجاب هو على الفور :
– بلدكم صغيرة قوي والناس فيها على قد حالها، وتقريبًا كلهم عرفينك وبيشهدوا بشطارتك.
– ودا يديك الحق أنك تخطفني؟
قالت بقوة فاجأته فأخفض عينيه وظهر جليا على وجههِ التوتر قبل أن يردف بخزي:
– عندك حق في كلامك، بس أنا وضعي مش عادى، عشان أجري على أى مستشفى حكومي ولا حتى أروح لدكتور عادي ويعلم الله أني كنت هرجعك تاني من غير أذيه.
تبسمت بزواية فمها ساخرة وهي تهز راسها يأسًا :
– كنت هاترجعني! ودا لو حصل فعلاً ورجعت سليمة زي مابتقول، كنت هاسلم انا ساعتها من كلام الناس، وظنهم فيا بعد ما اطلع الجبل، مش بقولك بتتكلم ببساطة في حاجة كبيرة زي دي.
صمت متنهدًا يشيح بعيناه عنها فقد لجمته بتقريعها الغير مباشر، وهو يعلم تمام العلم، ان معها كل الحق، هو نفسه لايدري كيف صدر منه هذا الفعل في لحظة ضغف، لم يحسب حسابها .
حينما ظل صامتًا ولم يرد تجرأت هي فسألته:
– طب هو أنت ليه وضعك مش عادي صحيح ؟ هو أنت عملت ايه بالظبط؟
عاد اليها بعيناه المشتعلة بنظرة مخيفة فقال بغضب:
– وأنتِ يخصك ايه باللى بعمله؟ وانت مالك اصلًا عشان تسألي سؤال زي ده؟
احرجتها حدته المفرطة والمفاجئة لها، فهمت بالاستئذان وهي ترفع الأكل المتبقي لتخرج لكنه؛ أوقفها قائلًا بخشونة:
– الدور عليكى عشان تجاوبي، ولا أنتِ نسيتي اتفاقنا ولا ايه؟
سأمت السؤال والتكرار فأردفت سريعاً كي تنهي التحقيق:
– لقيت نفسي فاضية ياسيدي فرسمت عيونك وانت نايم، استريحت بقى.
– كدابه!
قال بقوة وعينيه في عينيها وأكمل:
– أولا، الصورة دي محتاجة وقت وأعصاب هاديه عشان تطلع مرسومة بدقة اللي شوفتها، وأنتي حسب ما سمعت من الوالدة أن طلع عينك امبارح مع والدك وأنتوا بتخرجوا الطلقة من كتفي وتطهروا الجرح اللى في رأسي ،.
ثانيا، واضح قوي أنك مبتعرفيش تكدبي، لأنك بريئة جداً. وأنا راجل وبعرف أميز الكويس والوحش.
خاطبته قائلة برجاء:
– انا تعبت جدًا على فكرة من إصرارك العجيب ده فممكن يعني تعفيني من الإجابة؟
– بشرط تجاوبيني بعد كده؟
قال، وأومات هي برأسها موافقة ثم همت ترفع صنية الطعام من امامه وقبل أن تخرج من الغرفة توقفت تخبره؛
– ثوانى هرجع وأديك علاجك عشان تريح جسمك وتنام تاني.
أومأ بجفنيه وتركها تذهب من أمامه ليتمتم مع نفسه بعد ذلك وهو ينظر للباب الذي صفقته من ثواني قليلة؛
– هو انتي ايه حكايتك معايا بالظبط؟
………………………..