جنازة على قيد الحياة بقلم نيمو محمد الاخير

تاليا بصت لرُبى بذهول.
رُبى همست:
ـ يعني كل الناس حضرت جنازة من غير جثة؟
التسجيل كمل:
“الجثة اللي اتدفنت في المقبرة كانت جثة رجل مجهول، اتبدلت هويته علشان مأمون يختفي. أما رُبى، فكانت محبوسة في البيت القديم، وتاليا كانت آخر شخص شافها قبل ما تختفي.”
تاليا رجعت خطوة لورا.
ـ أنا؟! إزاي؟!
وفجأة افتكرت الصورة القديمة.
هي كانت طفلة عندها ست سنين، واقفة قدام البيت، ورُبى جنبها.
بدأت تفتكر مشاهد صغيرة من طفولتها، صوت بنت بتضحك، باب بيتقفل، وراجل بيقول:
“لو نطقتي باسم رُبى، مش هتشوفي أمك تاني.”
تاليا حطت إيدها على راسها.
رُبى قربت منها.
ـ تاليا؟ إنتِ كويسة؟
تاليا بصت لها، وعينيها اتملت خوف.
ـ أنا افتكرت!
آسر قرب منهم.
ـ افتكرتِ إيه؟!
تاليا ردت بصوت متقطع:
ـ أنا كنت هنا يوم اختفاء رُبى. كنت بلعب معاها، ومأمون دخل علينا، وخدها من الأوضة. أنا جريت وراه، لكن حد مسكني، وبعدها صحيت في المستشفى، وقالولي إني وقعت من على السلم.
رُبى مسكت إيديها.
ـ كنتِ بتحاولي تنقذيني.
تاليا هزت راسها.
ـ أنا فاكرة إني وعدتك إني هرجعلك… وفضلت أقول اسمك وأنا بعيط، لكن محدش صدقني.
رُبى ضمتها.
ـ وإنتِ رجعتي فعلًا.
لأول مرة من عشرين سنة، الاتنين قدروا يفتكروا اللي حصل من غير خوف.
لكن وسط المشاعر دي، تاليا لاحظت ظرفًا صغيرًا تحت جهاز التسجيل.
فتحته، ولاقَت جواه ورقة من النيابة، ومعاها مستندات تثبت إن كل ممتلكات العيلة اللي استولى عليها مأمون هترجع لأصحابها الشرعيين.
لكن الورقة الأخيرة كانت مختلفة.
كانت وصية مكتوبة بخط ليلى، بتقول إن جزءًا كبيرًا من ثروتها مخصص لإنشاء مركز لتعليم الأطفال الموسيقى والتكنولوجيا مجانًا، بشرط إن تاليا ورُبى وآسر يكونوا مسؤولين عن إدارته.
تاليا ابتسمت وسط دموعها.
ـ يعني بعد كل ده، أمنا كانت عايزانا نعمل حاجة مفيدة بدل ما نفضل نجري ورا الأشباح!
آسر ضحك لأول مرة من قلبه.
ـ واضح إنها كانت عارفة إنك هتفضلي تزعقي طول الرحلة.
تاليا بصت له.
ـ وأنا واضح إني لازم أكتب اسمك في قائمة الناس اللي مش هثق فيهم بسهولة.
رُبى ضحكت.
ـ وأنا هكتب اسمك إنتِ في قائمة الناس اللي بيزعقوا أكتر من اللازم!
تاليا بصت لها بتمثيل الغضب.
ـ إنتِ لسه راجعة من الاختفاء، وأول حاجة تعمليها تتريقي عليا؟!
وضحكوا التلاتة، وكانت دي أول ضحكة حقيقية في حكايتهم من سنين طويلة.