الكاتبة نور محمد

نسخ
“أنا المحققة اللي بتستجوب المتهم في قض..ية نصب كبيرة… ولما دخلت أوضة التحقيق، اكتشفت إنه الراجل اللي اتبرعتله بكليتي من 5 سنين وسابني!”
أسوأ لحظة في حياتي المهنية جاتلي لما رفعت عيني عشان أشوف النصاب اللي دمر حياة عائلات كتير وخد شقى عمرهم… ولقيته هو.
قضيت 5 سنين كاملة بحاول أنسى الجرح، مقتنعة إني عمري ما هشوفه تاني، وإن تضحيتي راحت للشخص الغلط.
لكن وأنا قاعدة على مكتب التحقيق، بكامل هيبتي الرسمية، مجرد ما دخل من الباب متكلبش وبصلي… كل حاجة اتغيرت.
اسمي “ليلى”، وده اللي حصل معايا.
أوضة التحقيق كانت باردة.
صوت التكييف هو الحاجة الوحيدة المسموعة.
قدامي ملف مليان أدلة، شيكات بدون رصيد، وبلاغات من ناس بسيطة خسرت كل حاجة بسبب شخص واحد.
الباب خبط.
العسكري دخل ومعاه المتهم، وشه في الأرض، وباين عليه الإرهاق.
“اقعد.”
قلتها بصوت رسمي صارم، وأنا بفتح القلم بتاعي.
رفع راسه… واتجمدت مكاني.
القلم وقع من إيدي.
المتهم… هو “طارق”.
خطيبي السابق.
لثواني حسيت إن الأكسجين اتسحب من الأوضة.
نفس الملامح، نفس العينين اللي كنت بحبها.
نفس الراجل اللي دخلت عشانه أوضة العمليات زمان، واديتله حتة من جسمي (كليتي) عشان يعيش، بعد ما كل أهله اتخلوا عنه.
ونفس الراجل اللي بعد العملية بشهرين، سابلي رسالة من سطر واحد واختفى تماماً من حياتي.
بصلي وعينيه وسعت من الصدمة.
قال بصوت بيترعش:
“ليلى؟!”
ابتسمت ابتسامة باردة بتخفي نار بتغلي جوايا، وقلت:
“اسمها سيادة الرائد يا متهم.”
الصمت نزل على الأوضة كأنه حجر.
العسكري بص لنا باستغراب.
“أقدر أبدأ التحقيق؟”
قلتها وأنا بفتح الملف، وبحاول بكل طاقتي أسيطر على إيدي اللي بتترعش.
طارق قام نص قومة وقال بسرعة:
“ليلى أرجوكي اسمعيني… أنا مظلوم! أنا مأخدتش فلوس حد، الفلوس اللي في حسابي دي كانت عشان…”
قاطعته بحزم:
“عشان إيه؟ عشان تهرب بيها تاني؟ زي ما هربت زمان وأنا لسه غرز العملية في جنبي بتنزف؟!”
نزل عينه في الأرض، وشفت الانكسار في وشه.
وبدأت أواجهه بالأدلة.
كان منهار، بيحلف إن في حد ورطه، وإن الحسابات دي اتفتحت باسمه من غير ما يعرف.
ورغم إني بمثل دور المحققة القوية، قلبي كان بيوجعني… مش شفقة عليه، لكن قهر على نفسي.
وفي وسط التحقيق، الباب خبط بقوة.
دخل زميلي المحقق “حازم”، وشه كان مقبوض جداً، وماسك في إيده ملف أحمر ومجموعة صور.
قال بصوت واطي بس مسموع:
“يا فندم… قوات التفتيش لسه راجعة من شقة المتهم… لقينا الخزنة السرية اللي كان مخبيها.”
بصيت لطارق اللي وشه بقى أبيض زي الشمع، ورجع خطوة لورا وهو بيهز راسه بـ “لا”.
حازم حط الملف قدامي وقال بقلق:
“لازم تشوفي الورق ده حالاً… الموضوع أكبر من قض..ية نصب.”
أخدت الورق.
ومجرد ما عيني وقعت على السطور الأولى في التقرير اللي كان مخبيه… حسيت إن الدم هرب من وشي كله.
الورقة مكنتش ليها أي علاقة بقض..ية النصب، ولا بفلوس الناس.
الورقة كانت بتكشف السر الحقيقي للي حصل من 5 سنين…
وليه طارق اختفى يومها!
رفعت عيني وبصيتله بصدمة، ولأول مرة من 5 سنين… شفت دموع حقيقية في عينيه، وقال بصوت مكسور:
“مكنتش عايزك تعرفي الحقيقة دي أبداً…”
وأيًا كان السر اللي مكتوب في الورقة دي…
كان كفيل إنه مش بس يقلب القض..ية… ده كان هيقلب حياتي أنا شخصياً للأسوأ!
#الكاتبه_نور_محمد
ليلى حست إن الأرض بتميد تحت رجليها.
كل الغضب اللي كانت شايلته جواها السنين دي… بدأ يتكسر قدام حقيقة عمرها ما تخيلتها.
لكنها شدت نفسها فجأة، ورجعت لكرسيها بقوة، وقالت بنبرة حازمة: “حتى لو ده كله حقيقي… ده ما يمنعش إن في ضحايا. ناس اتدمرت.”
طارق هز راسه ببطء: “عارف… وعشان كده ما هربتش المرة دي.”
حازم بصله بشك: “قصدك إيه؟”
طارق سحب نفس طويل: “أنا كنت بجمع دليل عليهم… كل التحويلات، الأسماء، الحسابات الكبيرة… الخزنة اللي لقيتوها دي مش فلوس بس… دي كانت نهايتهم.”
ليلى فتحت الملف الأحمر تاني بسرعة، وقلبت في الورق… وبدأت تربط الكلام.
أسماء رجال أعمال… شركات وهمية… حسابات بره البلد…
وفجأة… وقفت.
اسم واحد كان متكرر بشكل مرعب.
رفعت عينيها على حازم: “الاسم ده… مش غريب عليك؟”
حازم اتجمد لحظة… وبعدين قال وهو بيبعد نظره: “لا… أول مرة أشوفه.”
لكن ليلى لاحظت التوتر في صوته.
بصت لطارق، اللي قال بهدوء: “مش بس غريب عليه… ده رئيسه المباشر زمان.”
الصمت انفجر في الأوضة.
ليلى قامت واقفة فجأة: “إيه الكلام ده؟!”
حازم بعصبية: “ده متهم! هتصدقيه؟!”
طارق بص في عينيها مباشرة: “راجعي إذن التفتيش… هتعرفي مين اللي سهّل كل حاجة.”
ليلى مسكت الملف، وقلبت بسرعة… لحد ما وصلت لتوقيع الإذن.
ووقتها…
قلبها وقع.
التوقيع… كان باسم حازم.
لكن التاريخ…
كان قبل فتح القض..ية رسميًا.
بصتله ببطء، وقالت: “إزاي وقّعت إذن قبل ما القض..ية تتفتح أصلاً؟”
حازم سكت.
ثواني عدت تقيلة… وبعدين ضحك ضحكة باردة.
“برافو يا ليلى… كنتِ دايمًا شاطرة.”
العسكري اتحرك بقلق: “يا فندم…؟”
حازم رفع إيده فجأة… وطلع سلا..حه.
“محدش يتحرك.”
القلب دق بعنف في صدر ليلى… لكن صوتها فضل ثابت: “كنت بتشتغل معاهم؟”
حازم بص لها بنظرة غريبة: “مش بشتغل معاهم… أنا اللي مشغلهم.”
طارق شد السلاسل اللي في إيده: “كنت عارف إنك هتظهر في الآخر.”
حازم ضحك: “وأنا كنت مستني اللحظة دي… لما كل حاجة تتجمع في مكان واحد.”
ليلى خطوة لقدام، رغم السلا..ح: “والناس؟! الفلوس؟! حياتهم؟!”
حازم رد ببرود: “تضحية جانبية.”
طارق صرخ: “وأنا؟! خلتني لعبة!”
حازم بصله باستهانة: “كنت مريض ويائس… أسهل طُعم.”
الصمت اتكسر بصوت أمان السلا..ح.
لكن فجأة—
ليلى خدت نفس عميق… وبصت للعسكري بطرف عينها.
إشارة صغيرة… بالكاد تُلاحظ.
وفي لحظة—
العسكري هجم على حازم.
طلقة خرجت—
صوتها دوّى في الأوضة.
والدنيا سكتت.
ليلى فتحت عينيها ببطء…
وشافت حازم واقع على الأرض… والسلا..ح بعيد عنه.
والعسكري ماسكه.
لكن—
الدم…
كان على قميص طارق.
صرخت: “طاااارق!!”
جريت عليه، وقلبها بيترجف، وهي بتضغط على الجرح: “استحمل! استحمل عشان خاطري!”
طارق ابتسم ابتسامة ضعيفة: “المرة دي… ما اختفيتش.”
دموع ليلى نزلت: “ولا أنا هسيبك.”
قربت منه أكتر، وصوتها بيتهد: “بس المرة دي… هنواجه كل حاجة سوا.”
طارق همس: “حتى الحقيقة؟”
ليلى شدّت على إيده: “خصوصًا الحقيقة.”
…
بعد شهور—
القض..ية اتفتحت على مستوى أكبر.
شبكة غسيل الأموال اتفككت.
وأسماء كبيرة وقعت.
حازم اتحاكم.
وطارق…
نجا.
لكن بثمن.
ليلى وقفت قدام شباك المستشفى، بتبص له وهو نايم.
قلبها كان مليان حاجات متلخبطة…
حب… وجع… خيانة… وغفران.
دخلت عليه بهدوء.
فتح عينه… وابتسم: “سيادة الرائد؟”
ابتسمت وهي تقعد جنبه: “ليلى… بس ليلى.”
سكتوا لحظة…
وبعدين قالت: “لسه ما سامحتكش.”
طارق هز راسه: “عارف.”
قربت أكتر، وقالت بهدوء: “بس… يمكن أتعلم أسامح.”
طارق ابتسم: “وأنا مستعد أستنى.”
ليلى بصتله… ونفس النظرة القديمة رجعت…
بس المرة دي—
أقوى.
“المرة دي… مفيش اختفاء.”
طارق مسك إيدها: “وعد.”