جنازة على قيد الحياة بقلم نيمو محمد الاخير

تاليا دموعها نزلت.
ـ أنا كنت فاكرة إنها سابتني لوحدي.
رُبى مسكت إيدها.
ـ هي عمرها ما سابتك. هي كانت موجودة في كل قرار أخدته علشان تحميكي، حتى لو القرار ده وجعك.
آسر وقف قدامهم، ومد لتاليا ظرف صغير.
ـ فيه حاجة تانية لازم تشوفيها.
تاليا فتحته.
كانت رسالة بخط صفية.
“تاليا حبيبتي…
لو وصلتي للحقيقة، سامحيني إني سبتك تكبري وسط أسئلة من غير إجابات.
أنا اخترتك بنتي، وكنت أتمنى أقدر أقولك كل حاجة من غير ما أخاف عليكي.
لكن فيه حاجة لازم تعرفيها: رُبى مش مجرد بنت ليلى، وآسر مش مجرد أخوها.
إنتوا التلاتة اتجمعتم بسبب سر واحد، وكل واحد فيكم عنده جزء من الحقيقة.
الجزء الأخير مش في البيت ولا في المقبرة.
الجزء الأخير في المكان اللي اتصورتوا فيه أول مرة.”
تاليا رفعت راسها.
ـ المكان اللي اتصورنا فيه؟!
آسر افتكر الصورة القديمة.
ـ البيت اللي كانت فيه الصورة الأولى… البيت اللي مأمون كان واقف قدام بابه.
رُبى هزت راسها.
ـ البيت ده اتحول لمتحف صغير من سنين، لكن فيه غرفة واحدة محدش بيدخلها.
—
بعد يومين، وصلوا للبيت القديم اللي ظهر في الصورة.
كان مبنى واسع، محاط بحديقة كبيرة، واتحول لمتحف بيحكي تاريخ العيلة.
الموظف المسؤول سمحلهم يدخلوا بعد ما عرف إنهم من ورثة المكان.
لفوا في الغرف لحد ما وصلوا لغرفة مقفولة، على بابها لوحة مكتوب عليها:
“غرفة الذكريات.”
آسر استخدم المفتاح التاني اللي لقوه في المقبرة، والباب اتفتح.
جوه الغرفة، كان فيه جهاز تسجيل قديم، وتلات كراسي، وصورة كبيرة لليلى وصفية وأم آسر، وكل واحدة شايلة طفلًا.
تاليا شغلت الجهاز.
صوت ليلى خرج واضح:
“لو أنتم بتسمعوا التسجيل ده، يبقى مأمون اتحاكم، والحقيقة خرجت للنور.”
سكتت لحظة، وبعدها كملت:
“أنا مش عايزة تاليا ورُبى يعيشوا طول عمرهم فاكرين إنهم ضحايا. هما مش ضحايا، هما السبب اللي خلانا نحارب علشان الحق يفضل موجود.”
تاليا كانت بتعيط في صمت.
صوت ليلى استمر:
“أما آسر، فلو إنت سامعني يا ابني، فأنا عايزاك تعرف إن أختك عمرها ما نسيتك. هي كانت بتكتب اسمك كل يوم على الحيطة، وكانت متأكدة إنك هتيجي.”
آسر غمض عينيه، ودموعه نزلت.
لكن التسجيل كان لسه فيه جزء أخير.
“وفيه حقيقة محدش يعرفها غيري… ليلة جنازة مأمون، مكنش فيه جثة مأمون في النعش، ومكنش فيه جثة رُبى كمان. النعش كان فاضي من البداية.”