حماتي الحرباية

مفيش صوت حماتها وهي بتدي أوامر. مفيش محمود واقف محتار بين مراته وأمه. ومفيش إحساس إنها لازم تثبت لأي حد إنها تستحق الاحترام. لكن الهدوء ما طولش. الساعة عشرة الصبح، جرس الباب رن. فتحت ريهام، لقت محمود واقف لوحده.
قال بهدوء: “ممكن أدخل؟” ترددت لحظة، وبعدها فتحت له. دخل وقعد بعيد عنها: “أنا مش جاي أطلب منك ترجعي.” ريهام بصت له باستغراب. كمل: “أنا جاي أعتذر.” سكت شوية، وقال: “أنا كنت ضعيف. كل مرة أمي كانت تضغط عليا، كنت باختار أسهل طريق إني أوافقها وأسكت.” ردت ريهام: “وأنا كنت بدفع تمن سكوتك.” هز رأسه: “عارف.” ثم طلع ظرف وحطه على الترابيزة: “دي كل الأوراق اللي تخص حاجاتك. ودي حسابات المصاريف اللي كانت بينا. أنا مش عايز آخد منك جنيه واحد مش من حقي.” ريهام فتحت الظرف، وبدأت تراجع الأوراق. قال محمود: “وأمي طلبت مني أقولك ترجعي لها كل الهدايا اللي جابتها لك.” ابتسمت ريهام بسخرية بسيطة: “وأنت قلت لها إيه؟” “قلت لها إن ريهام مش مطالبة ترجع أي حاجة، وإن اللي حصل كفاية.” لأول مرة، شعرت ريهام إن محمود بدأ يفهم. لكنها قالت: “محمود، الاعتذار لوحده مش كفاية.” “عارف. ولو رجعنا لبعض، مش هترجع نفس الحياة.” رفع عينيه لها: “أنا مش طالب منك ترجعي دلوقتي. أنا عايز أصلح نفسي الأول.” قبل ما تكمل كلامها، تليفون محمود رن. بص للشاشة، واتغير وشه. كانت والدته. رد: “أيوه يا أمي.” جاله صوتها غاضب: “إنت فين?!” “عند ريهام.” سكتت لحظة، ثم قالت: “إياك تدخل البيت ده تاني! إنت ابني وأنا اللي أعرف مصلحتك!
” محمود أخد نفس طويل، ولأول مرة في حياته قال: “لا يا أمي، المرة دي أنا اللي هحدد مصلحتي.” وقفل المكالمة. ريهام بصت له من غير كلام. قال: “دي أول مرة أقولها.” ابتسمت ابتسامة صغيرة: “وأول خطوة صح.” بعد أسبوعين، صدر الحكم النهائي بالطلاق، واتقفلت كل الملفات المالية بالتراضي ومن غير مشاكل. لكن ريهام ما اكتفتش إنها تبدأ حياة جديدة لنفسها. استخدمت جزء من فلوسها وفتحت شركة صغيرة لتدريب السيدات على إدارة المشروعات والعمل من البيت، عشان أي واحدة تخرج من عندهم تبقى عارفة إنها تقدر تعتمد على نفسها. وفي يوم افتتاح الشركة، فوجئت بشخص واقف عند الباب؛ كانت حماتها. ريهام اتفاجئت، لكن ما طردتهاش، وقالت: “حضرتك جاية ليه؟” حماتها بصت حوالين المكان.. المكان اللي كان كله سيدات بيشتغلوا ويتعلموا ويضحكوا، وقالت بصوت منخفض: “أنا كنت غلطانة.” ريهام سكتت. “كنت فاكرة إن قوة الست معناها إنها تسيطر على غيرها، لكن اكتشفت إنك أقوى مني من غير ما تكسري حد.” ريهام ردت: “أنا مش محتاجة اعتذار عشان أبدأ حياتي.” حماتها دمعت عينيها: “بس أنا محتاجة أقوله.” ثم مدت إيدها لريهام. ريهام بصت لإيدها ثواني، وبعدها صافحتها. مش لأنها نسيت، ومش لأنها سامحت كل حاجة في لحظة، لكن لأنها قررت إن الماضي مش هيكون هو اللي يحكم مستقبلها. وفي آخر اليوم، خرجت ريهام من الشركة، وقفت قدام الباب، وبصت للاسم المكتوب على اللافتة: “ريهام.