حماتي الحرباية

” محمود أخذ نفسًا طويلًا: “كنت هقف جنبك وأقول لأمي إن ده مش حقها.” “بس ده مش اللي حصل.” “عارف، وعشان كده أنا مش بطلب منك تنسي.” ريهام بصت له طويلًا: “أنا اتغيرت يا محمود.” “وأنا كمان.” “زمان كنت بخاف أخسرك.” رد بهدوء: “ودلوقتي؟” قالت: “دلوقتي عرفت إني لو خسرت نفسي، هخسر كل حاجة.” محمود ابتسم: “وده أكتر شيء أنا بحترمه فيكي.” خرجوا من الكافيه بعد ساعة؛ لم يتفقا على الرجوع ولم يتعهدا بأي شيء، لكن في الطريق، ريهام شعرت براحة غريبة. لأول مرة كانت تتكلم مع محمود من غير ما تشعر أنها مطالبة بإرضائه. وبعد شهر كامل، ظل محمود على نفس موقفه؛ لم يتدخل في شركتها، لم يطلب منها قرارًا، ولم يسمح لأمه بالتدخل. وفي يوم عيد ميلاد ريهام، وصلت إلى الشركة فوجدت على مكتبها باقة ورد صغيرة وبجانبها ورقة، فتحتها وكان مكتوبًا: “مش هقولك إنك نصيبي ولا إنك لازم ترجعيلي، هقولك بس إن السنة اللي فاتت علمتني إن الإنسان ممكن يخسر أغلى حاجة عنده بسبب غروره وضعفه. ولو ربنا كتب لنا بداية جديدة، هبدأها وأنا عارف إنك شريكة مش تابعة، ولو ما كتبش، هفضل ممتن إنك علمتيني معنى الاحترام.” ريهام قرأت الرسالة أكثر من مرة، ثم ابتسمت. وفي المساء، ذهبت إلى بيت حماتها. كانت سعاد قاعدة لوحدها، لما شافت ريهام قالت: “خير؟
” ريهام ردت: “أنا جاية أقولك حاجة.” “قولي.” “أنا ومحمود هنبدأ نتعرف على بعض من جديد.” سعاد اتفاجئت: “يعني هترجعوا؟” ريهام ابتسمت: “مش عارفة.” ثم أضافت: “ولو حصل، مش هيكون عشان حضرتك عايزة ولا عشان محمود عايز، هيكون عشان أنا وهو اخترنا ده.
” سعاد هزت رأسها والدموع في عينيها: “أنا موافقة على أي حاجة تريحك.” ريهام ابتسمت: “كده بقيتي حماتي بجد.” ضحكت سعاد وسط دموعها. وبعد عدة أشهر، لم يكن هناك حفل ضخم ولا مظاهر مبالغ فيها ولا أوراق مخبأة في علبة فضية؛ كان هناك لقاء بسيط بين العائلتين.
وقف محمود أمام ريهام وقال: “ممكن نبدأ من الصفر؟” ريهام نظرت إليه وقالت: “من الصفر؟ لا.” استغرب، فابتسمت: “نبدأ من الخبرة اللي اتعلمناها.”مد محمود يده، وريهام وضعت يدها في يده. وفي نفس اللحظة، كانت سعاد تراقبهما من بعيد.
لم تكن تصدر الأوامر هذه المرة، كانت مجرد أم تعلمت درسًا لن تنساه: البيوت لا يحميها التحكم، يحميها الاحترام. أما ريهام، فلم تعد تلك الزوجة التي دخلت حفلة عيد جوازها وهي تخشى مفاجأة حماتها؛ كانت امرأة مستقلة، ناجحة، عارفة قيمتها.