عيلة جوزي الاخير

كنت شفتها في الرسائل القديمة. فيه رسالة من ماجد لرامي، بتاريخ قبل جوازك من ليلى بشهرين.
قلبي دق بسرعة.
كريم سألها
وكان مكتوب فيها إيه؟
نادين ردت
كان بيسأله إذا كان اتأكد إن ليلى مش هترجع للحلبة، وإنها مش هتطالب بأي حقوق مرتبطة بالعقد القديم.
كريم شد إيده على عجلة القيادة.
ورامي رد عليه بإيه؟
نادين سكتت لحظة.
وبعدين قالت
قال له إنه مش عايز يتدخل في حياتها، لكنه محتاج يتأكد إن الموضوع اتقفل نهائيًا قبل ما يدخل في شراكة جديدة.
حسيت ببرودة في جسمي.
كريم سألها
هل الرسالة فيها أي دليل إنه كان يعرف ليلى شخصيًا؟
نادين ردت
لأ، لكن فيه رسالة تانية بعدها بأسبوع، بيقول فيها إنه شاف صورتها، وإنه مش عايز أي مشاكل قديمة تأثر على المشروع.
كريم قال
ابعتيلي نسخة من الرسائل، من غير ما تغيري فيها أي حاجة.
نادين وافقت، وبعدها أنهت المكالمة.
فضلنا ساكتين.
وبعدين بصيت لكريم وقلت
أنا مش عايزة أتهم رامي من غير دليل.
رد
ولا أنا. الرسائل دي محتاجة تتراجع، ومش هنعرف معناها الحقيقي غير لما نفهم طبيعة المشروع اللي كان بيتكلم عنه.
قلت
بس هو كان يعرف اسمي قبل ما يتعرف عليا بشكل مباشر.
كريم هز رأسه.
أيوه. وده سؤال لازم يتجاوب عليه.
وصلنا البيت، لكني ما قدرتش أنام.
قعدت في الصالة، وفتحت صندوقًا قديمًا كنت محتفظة فيه بميدالياتي وصوري من البطولات.
طلعت واحدة من الصور.
كنت واقفة فيها على منصة التتويج، رافعة الميدالية، وأبويا جنبي بيضحك بفخر.
فضلت باصة للصورة فترة طويلة.
أنا ما كنتش عايزة أرجع للحلبة عشان أثبت لأي حد إني قوية.
كنت عايزة بس أرجع أمتلك حقي في اختيار حياتي.
ومع أول ضوء للنهار، اتخذت قراري.
هراجع كل الأوراق.
هعرف حقيقة إصابتي.
وهعرف ليه رامي كان مهتمًا بماضيّ قبل ما أكون جزءًا من عيلته.
لكن الأهم، إني مش هسمح لأي حد يحول الحقيقة لسلاح يستخدمه ضد شخص تاني.
المشهد الأخير يوم رجعت فيه أقف على رجلي
عدت الأيام التالية ببطء.
أنا وكريم بدأنا نجمع كل المستندات القديمة، وأبويا تعاون مع المحامي في مراجعة عقد الرعاية والتسوية اللي حصلت بعد إصابتي.
شريف تواصل مع الجهة الرياضية، وطلب نسخة من التقرير الطبي الأصلي ومحضر المباراة.
وفؤاد عيّن محاسبًا مستقلًا لمراجعة حسابات المشروع التجاري اللي كان رامي مسؤولًا عن جزء منه.
ما كانش فيه اټهامات علنية، ولا قرارات متسرعة، ولا حد أعلن إنه اكتشف مؤامرة كبيرة.
كان فيه أوراق بتتراجع، وشهادات بتتجمع، وأسئلة لازم تتجاوب عليها بالأدلة.
بعد أسبوعين، ظهرت أول نتيجة واضحة.
التقرير الطبي أكد إن إصابتي كانت حقيقية وخطېرة، وإن قرار الابتعاد عن المنافسات وقتها كان له أساس طبي، لكنه ما قالش إنني ممنوعة من العودة إلى الرياضة مدى الحياة.
أما الخطاب القانوني، فأكد وجود خلافات في بعض بنود عقد الرعاية، لكنه ما أثبتش إن الإصابة كانت متعمدة.
وده كان مهمًا بالنسبة لي.
لأني ما كنتش عايزة أعيش على فكرة إن حد تعمد يضيع مستقبلي، من غير دليل.
كنت عايزة الحقيقة، حتى لو كانت أبسط وأقل إثارة من كل الاحتمالات اللي تخيلتها.
المراجعة المالية بدورها كشفت وجود تحويلات محتاجة تفسير، لكن المحاسب ما قدرش يثبت إن رامي استولى على أموال أو إن التحويلات تمت لمصلحة شخصية.
بعض التحويلات كانت مرتبطة بمصاريف تشغيل، وبعضها احتاج مستندات إضافية.
أما الورقة اللي عليها توقيع كريم، فالفحص الأولي أظهر اختلافات تستدعي تحقيقًا أوسع، ولم يكن ممكنًا اعتمادها كدليل على إنه وافق على التنازل عن أي حقوق.
رامي اضطر يقدم المستندات اللي عنده، ويتعاون مع المراجعة.
ولأول مرة، ما قدرش يعتمد على صوته العالي عشان ينهي النقاش.
أما نادين، ففضلت عند أختها فترة، وبدأت تفكر بهدوء في علاقتها برامي، بعيدًا عن ضغط العيلة.
كريم كان بيتواصل معاها للاطمئنان عليها، من غير ما يضغط عليها ترجع أو تاخد قرارًا معينًا.
وبعد فترة، رامي نفسه اتصل بكريم.
ما كانش الاتصال عشان يطلب منه يسحب المراجعة، ولا عشان يلومه على اللي حصل.
كان عايز يقابله.
كريم وافق، لكن بشرط إن المقابلة تكون في مكان عام، ومن غير ما يتحول الكلام لخناقة جديدة.
وفي اليوم المحدد، راح كريم وقعد مع أخوه في كافيه هادي.
لما رجع، سألته
اتكلمتوا في إيه؟
قعد جنبي، وقال
رامي اعترف إنه كان عارف اسمك قبل جوازنا، لأنه كان بيتابع مشروع الأكاديمية القديمة من بعيد، وكان عنده اهتمام بشراكة تجارية مع شركة كانت بتتعامل مع الجهة المنظمة.
سألته
وهل اعترف إنه حاول يمنعني أرجع للحلبة؟
كريم هز رأسه.
قال إنه ما كانش عنده سلطة على قرارك، وإنه ما شاركش في قرار اعتزالك. لكنه اعترف إنه كان خاېف إن أي ڼزاع قديم يعرقل المشروع اللي كان بيحاول يبدأه.
تنهدت.
يعني كان شايف إن وجودي ممكن يعمل له مشكلة.
أيوه. لكن لحد دلوقتي، مفيش دليل إنه تسبب في إصابتك أو غيّر التقرير الطبي.
سكت لحظة، وبعدها أضاف
وقال إنه كان فاكر إنك لما تتجوزي كريم، هتفضلي بعيدة عن المجال الرياضي، وإن الموضوع القديم مش هيرجع تاني.
بصيت له باستغراب.
وكأنه كان متوقع إن حياتي كلها لازم تفضل متوقفة عشان مشروعه يمشي.
كريم رد
وده اللي فهمه غلط.
ما كنتش محتاجة أعرف كل تفصيلة عن دوافع رامي عشان أفهم إن طريقته في التفكير كانت أنانية.
لكني كمان ما كنتش هسمح لنفسي أتهمه بحاجة ما ثبتتش.
قلت لكريم
أنا مش هسامحه على اللي عمله في الجنينة لمجرد إننا عرفنا جزءًا من ماضيه. لكنه اعتذر، والباقي هيتحدد من خلال تصرفاته.
كريم ابتسم.
وده قرارك.
بعدها بأيام، جالي اتصال من طبيب متخصص في الإصابات الرياضية، كان شريف رشح لي اسمه.
اتفقنا على موعد للكشف ومراجعة ملفي الطبي، مش عشان أرجع للمنافسات فورًا، لكن عشان أعرف إذا كان جسمي يسمح لي أرجع للتدريب بشكل آمن.
رحت الموعد وأنا متوترة.
كنت خاېفة أسمع إن الوقت فات، وإن أي محاولة للعودة هتكون مجرد حنين للماضي.
لكن الطبيب فحصني، وراجع التقارير، وطلب بعض الفحوصات الإضافية.
وبعد ما ظهرت النتائج، قال لي إن مفيش ما يمنع بالضرورة من ممارسة نشاط رياضي مناسب لحالتي، وإن العودة للتدريب لازم تكون تدريجية وتحت إشراف متخصص، مع مراعاة أي مخاطر تظهر أثناء التقييم.
ما قالش إني أقدر أرجع للمنافسات فورًا، وما وعدنيش إني هبقى زي زمان.
لكنه قال جملة واحدة كانت كفاية تغير إحساسي بكل اللي حصل
قرارك الرياضي لازم يكون مبنيًا على حالتك الحالية، مش على خوف قديم أو قرار اتاخد من غير ما تسمعي كل المعلومات.
خرجت من العيادة، وقعدت في العربية، وعيطت.
مش عشان اتوجعت.
لكن عشان لأول مرة من عشر سنين، حسيت إن فيه باب اتفتح قدامي، حتى لو كان صغيرًا.
اتصلت بكريم، ولما رد، قلت له
الدكتور قال إن ممكن أبدأ تدريبًا تدريجيًا.
سكت لحظة، وبعدها سمعت الفرحة في صوته.
بجد يا ليلى؟
ضحكت وأنا بمسح دموعي.
أيوه. بس واحدة واحدة، ومن غير ما أستعجل.
قال
أنا فخور بيكي، سواء رجعتي للحلبة أو قررتي تكتفي بالتدريب.
الجملة دي كانت أهم من أي وعد بالانتصار.
لأنني أخيرًا بقيت عارفة إن قيمتي مش مرتبطة بعدد البطولات اللي كسبتها، ولا بقدرتي على هزيمة حد.
قيمتي كانت موجودة حتى وأنا بعيدة عن الحلبة.
بدأت التدريب بعد فترة قصيرة.
أول يوم دخلت فيه صالة الرياضة، وقفت عند الباب شوية.
صوت خطوات المتدربين، ورائحة الأرضية المطاطية، وصوت المدرب وهو بيشرح الحركات، كل ده رجعني لسنين كنت فاكرة إنها انتهت للأبد.
الكابتن عادل

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *