حبسني

حصري لصفحة روايات رولا
حبسني في البلكونة تلات أيام من غير نقطة مية ولا لقمة بدخلها جوفي. لما طلعت، جسمي كان بيموت من الجفاف وشراييني بتصرخ. مدّيت إيدي بضعف على حتة كيكة كانت مرمية على الترابيزة عشان بس أسنّد طولي، بس هو بكل قسوة هجم عليا، خلع الكيكة من إيدي ورمى بيها في الزبالة قدامي. وبصلي بقرَف وقال: “أنا أطلقك ولا إنك تحطي لسانك على حتة منها!”
الموقف ده حصل في شقتنا اللي في مصر الجديدة، وتاني يوم على طول جمع صحابه كلهم في الصالة عشان يكسرني. جاب ورق الاتفاق ورماه قدامهم. من غير ما أتردد لحظة ولا أطلب منه مليم واحد، مسكت القلم ومضيت على كل حاجة بدم بارد، والذهول كان باين في عينين صحابه اللي ماكنوش فاهمين السكوت ده معناه إيه.
أول ما خرجت من الشقة، مشيت بخطوات ثابتة لحد مكتب الأستاذ حسام المحامي بتاعي في الدقي. قعدت قصاده وحطيت على مكتبه الفلاشة اللي كنت شايلاها وبحافظ عليها بقالي سبع سنين. الفلاشة دي كان عليها تسجيلات وصور كفيلة تقلب الترابيزة وتغير مين المظلوم ومين الجاني الحقيقي قدام الدنيا كلها.
—لو أكلتي حتة الكيكة دي، وربنا لأطلقك النهارده.
أنا افتكرت أدهم بيكلمني بتهريج.
أصلها مش منطقية يعني، بقالي تلات أيام مدوقتش اللقمة.
تلات أيام كاملين.
اتنين وسبعين ساعة محبوسة في بلكونة شقتنا في التجمع الخامس، بنفس الفوطة البمبي اللي كنت لافاها عليا بعد ما استحميت.
كل ده بدأ بـ “هزار” من هزار نادين، السكرتيرة الخاصة بتاعة جوزي.
نادين عندها ستة وعشرين سنة، ضحكتها مرسومة بالمسطرة، وعندها عادة غريبة كده إنها تسمى أي حاجة فيها تهزيق وتقليل من حد “هزار وضحك”.
في اليوم ده، كانت عارفة كويس إني جوه في الحمام بياخد دش.
فتحت الباب بالراحه من غير ما أحس، ورمت فار ميت تحت رجلي.
صرختي سمعت لحد الشارع.
طلعت أجرِ مجرودة من الخوف ومفيش حيلتي غير الفوطة. نادين عملت نفسها مرعوبة وشاورت على البلكونة:
—اطلعي اطلعي بسرعه! أظن فيه واحد تاني استخبى تحت الكنبة!
أنا من كتر الترعة والجري، دخلت ورا الإزاز.
وفجأة سمعت:
تكة.
نادين قفلت الباب عليا من جوه.
في الأول افتكرتها هتاخد ثواني وتفتح.
مفتحتش.
قعدت أخبط على الإزاز.
وأصرخ.
لمحتها بتاخد شنطتها ونازلة من الشقة بمنتهى الهدوء.
موبايلي كان جوه في الحمام.
التليفون الوحيد اللي كان طالعه إيدي هو تليفون قديم متركب جنب البلكونة متوصل بالأنتركام الداخلي بتاع العمارة.
طلبت أدهم مرة.
وبعدين عشرة.
وبعدين ثلاثين.
لما إيدي اتعملت من كتر الاتصال، كنت طلبت رقمه اتنين وسبعين مرة.
معبرنيش ولا رددش عليا خالص.
اليوم التاني المطرة بدأت تمطر.
حطيت علبة فاضية تحت المية اللي نازلة من السقف وشربت منها على قد ما قدرت.
في اليوم التالت، مكنتش قادرة حتى أقف على حيلي.
ولما الباب اتفتح أخيراً، لقيت الشقة مليانة ناس: صحاب أدهم، واتنين مديرين كبار من شركة “الآغا جروب”، وحتى أخته كانت واقفة.
محدش فيهم استجرى يحط عينيه في عيني.
اتكعبلت ومشيت بالعافية لحد ترابيزة السفره.
كان فيه علبة جواها قطعة كيكة شوكولاتة.
مسكتها بإيديا الاتنين.
وقطعت منها قطمة وجعانة ومتهالكة.
—سيبيها مكانها.
رفعت عيني بالعافية.
أدهم كان واقف قدامي.
بدلة على السنجة عشرة، وشعره متسرح بالملمي.
ولا كأن مراته لسه طالعة من حبسة تلات أيام في البرد.
—إيه؟
—الكيكة دي بتاعة نادين.
فضلت ماسكاها ومستغربة.
—أدهم… أنا مأكلتش حاجة بقالي تلات أيام.
حط فولدر أسود على الترابيزة.
—إحنا هنطلق.
افتكرت إني بسكَر ومش سامعة صح.
—عشان أكلت حتة كيكة؟
—عشان مدة إيدك على حاجة مش بتاعتكي.
واحد من صحابه اتدخل وقال:
—أدهم، الموضوع زاد عن حده أوي. نادين هي اللي قفلت عليها البلكونة!
وأخته قالتله:
—مرتك جافة وميتة من العطش يا أدهم!
ولا الهوا.. ملوش دعوة بكلامهم.
—نورهان طول عمرها عينيها فارغة وبتمد إيدها على اللي مش بتاعها.