لؤي كان راجع من شغله

 

ست شهور، ست شهور كاملين وهو بيعمل نفس الروتين، يصحى يروح الشغل ويرجع يقف في المحطة، لحد ما بقى معروف عند بياع التذاكر وعند الامن، حتى ان باسم في مرة راح معاه وقاله يا عم انت بتدور على ابرة في كوم قش، انسى يا لؤي، حرام عليك نفسك، بس لؤي كان عنيد، كان عنده احساس انه هيشوفها تاني، كان حاسس ان الحكاية لسه مخلصتش، وان ربنا مخبي له حاجة، حتى لو الحاجة دي وجع، بس لازم يعرف اخرتها ايه، لازم يقفل الصفحة ويرتاح وينام مرتاح البال.

 

في الفترة دي امل كانت بتحاول تقرب منه بطريقتها، كانت بتيجي عند نجلاء كتير، تجيب لها حاجات وتساعدها في البيت، وتسأل على لؤي من بعيد لبعيد، من غير ما تحرجه، نجلاء كانت نفسها امل تبقى مرات ابنها، كانت تقول للؤي يا ابني امل بتحبك وشارياك، بص لها كويس، بنت حلال وبتحبك، بس لؤي كان يقولها يا ماما امل اختي، انا مقدرش اظلمها معايا وانا قلبي في حتة تانية، انا مش عايز اظلمها، نجلاء كانت بتزعل بس بتسكت وتدعي له ان ربنا يهديه وينور طريقه ويصلح حاله.

 

ودعاء كمان كانت واقفة جنبه، كل ما تشوفه سرحان تجيب له قهوة وتقوله احكي، كانت بتسمعه من غير ما تزهق، وكانت تقوله خلي بالك من نفسك، انت خسيت النص، وشك بقى مرهق، وعينك دبلانة، وهو يقولها مش بأيدي، انا حاسس اني لو ملقيتهاش هفضل ناقص حاجة طول عمري، حاسس ان في حتة مني متعلقة في المحطة دي ومش عايزة تمشي غير لما الاقيها، دعاء كانت تطبطب عليه بكلامها الطيب وتقويه وتدعمه دايما.

 

وفي يوم كان يوم خميس والجو كان برد شوية، والسماء مغيمة، لؤي واقف في نفس المكان ويائس خلاص وبيقول لنفسه ده اخر يوم هاجي فيه، مش هاجي تاني خلاص تعبت، انا تعبت من الوقفة ومن الانتظار ومن الاحلام اللي مش بتتحقق، والمترو وصل والباب اتفتح، وناس كتير نازلة، وفجأة وسط الزحمة شافها، هي هي بنفس الوش بنفس الملامح بس في حاجة مختلفة، كانت لابسة جاكت تقيل وشنطتها السودا هي هي، بس ايدها، ايدها كان فيها حاجة بتلمع، دبلة، دبلة دهب في صباعها الشمال، دبلة تخينة وواضحة بتلمع تحت نور المحطة الاصفر.

 

لؤي اتجمد مكانه، قلبه اللي كان بيدق من ست شهور وقف مرة واحدة، حس ان الدنيا كلها سكتت، حس ان صوت المترو والناس اختفى، هي شافته، افتكرته، بان عليها انها افتكرته من نظرته يومها، من لهفته، ابتسمت ابتسامة خفيفة كده وكأنها بتقول انت لسه فاكر، انت لسه مستني، وبعدين بصت للدبلة لا اراديا وكأنها بتعتذر من غير ما تتكلم، كأنها بتقول اسفة، لؤي مقدرش يتكلم، مقدرش يتحرك، لسانه اتربط تاني زي اول مرة، المترو كان هيمشي، هي دخلت المترو وهو فضل واقف برة، الباب قفل والمترو مشي وهي جواه، وهو واقف لوحده في المحطة، لوحده تماما، والهوا البارد بيضرب في وشه بقوة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *