لؤي كان راجع من شغله

لؤي كان راجع من شغله تعبان كالعادة، شغال مهندس في شركة مقاولات في وسط البلد، يومه كله في الحر والتراب والرسومات اللي مش بتخلص، وكان متعود يركب المترو من محطة الشهداء كل يوم الساعة خمسة ونص، نفس المعاد ونفس الزحمة ونفس الوشوش، لحد ما في يوم كان الجو خنقة والمترو متأخر، وهو واقف ماسك الحديدة وعرقان وقرفان من كل حاجة، وفجأة المترو وقف في محطة جمال عبد الناصر والباب اتفتح ودخلت هي.
هي دخلت بسرعة علشان تلحق، كانت لابسة بلوزة بيضا وشنطة سودا صغيرة وشعرها مربوط نص ربطه، وفي ثانية واحدة عينها جت في عينه، ثانية ولا عشرة ثواني بالكتير، بس العشرة ثواني دول قلبوا كل حاجة، لؤي حس ان قلبه وقع من مكانه، حس بدقة غريبة اول مرة يحسها، مش اعجاب عادي لا دي خضة، كأن حد شال الفيشة بتاعة دماغه وركب فيشة جديدة، البنت بصت له واستغربت من نظرته واتكسفت ونزلت عينها بسرعة، وهو فضل متنح، متنح تماما كأنه اتثبت في الارض.
المترو اتحرك وهي واقفة قدامه بظبط، ماسكة الحديدة وبتحاول تتوازن، وهو مش قادر يشيل عينه من عليها، عايز يكلمها بس لسانه مربوط، عايز يقول اي حاجة بس خايف يبان عبيط، وفجأة المحطة اللي بعدها الباب اتفتح وهي نزلت، نزلت فجأة من غير ما تدي اي اشارة، لؤي اتخض وفضل ثانيتين متسمر مكانه وبعدين فاق، ده كان لازم ينزل وراها، حتى لو مش هيكلمها، حتى لو هيعرف هي رايحة فين، فقرر ينزل بسرعة والباب كان بيقفل، نط برة بالعافية، كاد يقع على الرصيف.
نزل يدور عليها في المحطة، الناس طالعة نازلة وزحمة موت، وهو بيجري زي المجنون يمين وشمال، بيبص في كل وش، فين راحت، ازاي اختفت بالسرعة دي، طلع يجري على السلم وخرج برة المحطة، بص في الشارع، مفيش حد، رجع تاني جوه يدور، مفيش، راحت، اختفت كأنها حلم، وقف ينهج وقلبه بيدق جامد، مش من الجري، من القهرة، ازاي معرفش حتى اسمها، ازاي سابها تمشي كده، ازاي مقالش كلمة واحدة.
روح البيت يومها وهو مش هو، امه نجلاء لاحظت انه سرحان، نجلاء ست طيبة وبتحب ابنها جدا، قلبها حساس وبتفهم ابنها من نظرة، قالت له مالك يا لؤي شكلك مش طبيعي، وشك مخطوف، قال لها مفيش يا ماما تعبان من الشغل، بس هو جواه حكاية كبيرة مش عارف يحكيها، طلع اوضته وقعد يفكر في العشر ثواني دول، العشر ثواني اللي قلبوا حياته، ونام وهو بيحلم بيها، بيحلم انه شافها تاني وانها بتضحك له وبتقوله انا مستنياك، وصحي من النوم مبسوط وبعدين افتكر انه حلم.