فضلت اخدمهم

خدت ميكروباص، وبعدين واحد تاني، وبعدين توك توك لحد قريتنا في المنيا. لما وصلت أمي كانت بتنضف خضار قدام الباب الوراني. أبويا طلع وهو ساند على عصايته. أول ما شوفتهم، كل حاجة جوايا انهارت.
أمي.. همست بالكلمة.
خدت وشي بين إيديها: خسيتي قوي يا بنتي.. كانوا بيشغلوكي كتير؟
قولتلها: لا تعبانة بس يا أمي، تعبانة.
بالليل، أمي عملت لي بط ومحشي.. أكلي المفضل. معرفتش آكل.. كل لقمة كانت زي الطوب في زوري.
بعد العشا، دخلت أوضتي القديمة. صغيرة.. نضيفة…. نفس ريحة البيت. حطيت الشنطة على الأرض وفتحتها. بدأت أطلع الهدوم حاجة حاجة. وفجأة، إيدي لمست حاجة ناشفة تحت بطانة الشنطة.
وقفت.. دي مش بتاعتي. شلت كل الهدوم.. الشنطة بانت فاضية، بس أرضيتها كانت مش متساوية. قلبي بدأ يدق بسرعة. ضغطت على القماش، لقيت سوستة مستخبية عمري ما لاحظتها. سوستة متخيطة بدقة كأنها جزء من الشنطة. إيدي بدأت تترعش.. فتحتها.
لقيت ورق.. مش ورقة واحدة.. عشرة. عقود ملكية لونها أحمر.. جديدة.. متوقعة.. مختومة. وجنبهم.. تلات ظروف. مترقمين 1، 2، 3. لثانية نسيت أتنفس. طلعت أول عقد، الورقة كانت بتتهز في إيدي.
اسم المالك: حميدة ناجى..
غمضت عيني وفتحتها.. قريت تاني. اسمي أنا. فتحت التاني.. اسمي. التالت.. اسمي. عشر أملاك.. شقة في جاردن سيتي في القاهرة.. ڤيلا صغيرة في المنيا الجديدة.. محل في المهندسين.. شقتين في الإسكندرية.. أرض في الساحل.. أسماء كتير.. وأختام كتير.. وورق مستحيل.. كله باسمي.
قعدت على الأرض، الدنيا بتلف بيا. أنا عمري ما شوفت الورق ده، ومحدش قالي حاجة. والشنطة مسبتش إيدي من ساعة ما خرجت من ڤيلا لحد هنا. ده معناه إن الورق ده كان محطوط قبل ما أمشي. بس مين اللي حطه؟ مش الهانم.. دي كانت عايزاني أخرج على الحديدة. مش ياسين.. ده لسه طفل. مش باقي الشغالين.. محدش هيخاطر بلقمة عيشه. طيب.. البيه؟
صدري ضاق.. بصيت على التلات جوابات. مفيش اسم راسل.. بس أرقام. إيدي كانت بتترعش لدرجة إني كنت هقطع أول ظرف. فتحته بالراحة.. وطلعت ورقة واحدة مطوية. أول ما شوفت الخط، دموعي نزلت زي المطر. لأن الخط ده مكنش خط البيه.. ولا خط ياسين. ده كان خط الست. اللي صورتها الهانم شالتها من الصالة من سبع سنين. خط زوجة البيه الأولى.. الست اللي الكل في البيت كان بيقول إنها ماتت في لندن. وأول سطر في الجواب كان بيقول: حميدة لو أنتي بتقري الكلام ده، يبقى خطة فخ العقد نجحت أخيراً، وطردوكي بره قبل ما يكتشفوا أنتي في الحقيقة كنتي بتربي ابن مين…..