حكايات نيمو محمد

إيد “صافي” كانت بتترعش وهي بتبص للدكتور “رفعت”، عينها كانت مبرقة ومش مصدقة اللي هي شايفاه وقالت بصوت مخنوق من الرعب: “عايشين يا دكتور.. الاتنين لسه فيهم الروح!” الدكتور رفعت اتنفض من مكانه، صدمته مخدتش ثواني وقلب فجأة لواحد تاني خالص، زعق وهو بيندفع ناحية الدولاب: “اطلبي الإسعاف حالاً! بسرعة يا صافي!” صافي جابت التليفون وهي مش حاسة بصوابعها، الموبايل كان هيقع منها وهي بتطلب النمرة، ورفعت كان شغال زي المكنة، سحب السماعة وماسك الأكسجين وجري على البنت الأولى، حط السماعة على صدرها ووشه جاب ألوان وهو بيسمع النبض الضعيف اللي بيصارع الموت وقال وهو بيكلم نفسه: “إزاي؟ إزاي عدت علينا دي؟ دي كانت جثة قدامي!” فجأة، القاعة اللي مفيهاش صريخ ابن يومين شقها صوت ضحكة مكتومة، ضحكة طالعة من البنت التانية وبعدها كحة هادية خالص، صافي لفت رقبتها والرعب والراحة بيضربوا في قلبها في نفس الوقت وقالت: “الصوت ده تاني يا دكتور.. أنا سمعته!” رفعت وشه اتخشب وبص للبنت بجمود وقال: “دي مش ضحكة يا صافي، ده هوا بيزق في مجرى تنفس ضيق، مجرد رد فعل عصبي مش أكتر”، بس عينيه كانت بتقول عكس كلامه، كان فيه حاجة غلط، حاجة تقبض القلب، وبعد دقايق كانت سراين الإسعاف بتزلزل المكان والمسعفين داخلين يجروا بالنقالات، شالوا البنات بسرعة وركبوا الأكسجين والأجهزة بدأت تصفر وهي بتقيس العلامات الحيوية، وفي اللحظة اللي كانوا بيسحبوا فيها النقالات لبره، عين صافي وقعت على حاجة خلت بطنها تكركب من الخوف، شددت على إيد الدكتور وقالتله: “دكتور رفعت.. بص كدة”، رفعت نزل بعينه على معصم البنتين وشاف علامات خفيفة أوي وشبه بعض بالمللي، لا هي خبطة ولا هي أثر حقنة، دي كانت رموز ووشوم غريبة مرسومة بدقة مرعبة، وفي نص الليل والمستشفى هسس، الدكتور رفعت كان واقف قدام تقرير المعمل وعينيه مش مصدقة الورق اللي بين إيديه، صافي قربت منه بخوف وسألته: “التحاليل قالت إيه؟” رفعت بلع ريقه بصعوبة وقال: “مش راكبة على بعضها.. التقرير بيقول إن فيه سم فعلاً في دمهم، بس الكمية دي متنيّممش عيل صغير، إزاي ظهروا كأنهم ميتين؟” وبص للبنتين اللي نايمين في العناية المركزة جنب بعض وقال بصوت واطي: “فيه حاجة أبطأت أجهزتهم الحيوية لدرجة الصفر، كأن فيه حد حبس روحهم جوه جسمهم وضحك على الموت نفسه”، صافي جسمها قشعر وقالت: “قصدك إن فيه حد خطط لكل ده عشان يبانوا ميتين؟” رفعت مقدرش يرد، لأن في اللحظة دي بالثانية، البنتين فتحوا عينيهم مع بعض في نفس اللحظة، وبصوا لبعض وبمنتهى الهدوء رسموا على وشهم نفس الابتسامة المرعبة، وبصوا لرفعت وصافي كأنهم كانوا سامعين كل كلمة بتتقال.
رفعت جري على الباب كأنه بيهرب من كابوس، فتحه بعنف وبص في الطرقة… فاضية.
سكون تقيل… مفيش غير صوت الأجهزة جوه الأوضة لسه بتصفر كأنها رافضة تصدق إن اللي عليها اختفوا.
صافي خرجت وراه ببطء، صوتها كان بيرتعش: “هما… خرجوا إزاي؟! ده دور عناية… كله مراقبة!”
رفعت مردش… عينه كانت مركزة على الأرض.
في آثار… آثار رجلين مبلولة… ماشية في الطرقة.
بس الغريب؟
إنها كانت رايحة في اتجاهين مختلفين… كأن كل واحدة مشيت لوحدها.
صافي همست: “نتقسم؟”
رفعت بص لها بسرعة وقال بحزم: “لا… مش هنفترق.”
لكن قبل ما يكمل… صوت المصعد في آخر الطرقة رنّ.
تينج.
الباب اتفتح ببطء…
والنور اللي جواه كان بيترعش.
رفعت شد نفس عميق وقال: “تعالي.”
قربوا بحذر… كل خطوة كانت تقيلة كأن الأرض ماسكاهم.
أول ما وصلوا قدام الأسانسير…
لقوا حاجة خلت الدم يجمد في عروقهم.
على أرضيته…
كان فيه نفس الرمز.
مرسوم… بس المرة دي بدم.
صافي غطت بقها وهي بتشهق: “دي نفس العلامة…”
وفجأة…
صوت جه من جوه الأسانسير…
طفولي… وناعم جدًا:
“إنتوا جيتوا متأخر…”
رفعت بص لجوه ببطء…
مفيش حد.
بس المراية اللي في ضهر الأسانسير…
كانت عاكسة صورتهم…
ومعاهم…
اتنين واقفين وراهم.
نفس البنتين.
وشهم قريب من ودان رفعت وصافي…
وبيبتسموا.
رفعت لفّ بسرعة…
مفيش حد.
رجع بص للمراية…
لسه موجودين.
واحدة منهم رفعت صباعها على بقها في إشارة “اسكت”…
وبعدين الاتنين قالوا في نفس اللحظة:
“الدور عليكم…”
الأسانسير قفل لوحده بعنف.
والنور في الطرقة كلها طفى.
وبدأت تتسمع خطوات… جاية ناحيتهم…
مش خطوة واحدة…
خطوات كتير.
رفعت مسك إيد صافي جامد وقال: “إجري!”
وجروا…
بس وهم بيجروا…
صافي لمحت حاجة على الحيطة خلتها تصرخ:
كل الأبواب…
كان مرسوم عليها نفس الرمز.
وفي آخر الطرقة…
باب واحد بس…
مفيهوش علامة.
واقف لوحده…
رفعت وقف لحظة قدام الباب… أنفاسه سريعة، وعقله بيصرخ إنه ما يدخلش… بس مفيش اختيار.
وراهم خطوات بتقرب… صوتها بقى أوضح… أكتر… كأن في ناس كتير ماشية في نفس الإيقاع.
صافي شدّت إيده وهمست: “ندخل… حالاً!”
رفعت هز راسه ودفع الباب…
صرررر…
الباب فتح على أوضة صغيرة… ضلمة… ومفيهاش غير لمبة صفرا ضعيفة بتترعش في السقف.
أول ما دخلوا…
الباب اتقفل وراهم لوحده.
صافي خبطت عليه بخضة: “لأ لأ لأ… مش تاني!”
رفعت لف بسرعة وبدأ يبص حوالينه…
الأوضة كانت فاضية تقريبًا…
إلا من حاجة واحدة.
كرسي.
وعليه…
تسجيل قديم… كاسيت.
صافي قالت وهي مرعوبة: “إيه ده…؟”
وقبل ما رفعت يقرب…
التسجيل اشتغل لوحده.
تششششش…
وبعدين صوت… خشن… متقطع:
“لو بتسمعني… يبقى هم صحّوا…”
رفعت جمد.
الصوت كمل:
“أنا دكتور… زيك… وافتكرت إني فاهم… بس كنت غلطان…”
صافي همست: “في حد كان هنا قبلنا…”
الصوت ضحك ضحكة قصيرة متعبة: “العلامة اللي على إيديهم… مش وشم… دي اتفاق…”
رفعت قرب أكتر… قلبه بيدق بعنف.
“اتفاق مع حاجة… بترجعهم… كل مرة… بس مش لوحدهم…”
فجأة… الصوت وطي كأنه بيهمس:
“كل مرة بيرجعوا فيها… بياخدوا مكان حد…”
صافي شهقت: “يعني إيه؟!”
الصوت صرخ فجأة:
“يعني مش هتخرجوا كلكوا!”
تششششششش…
التسجيل وقف.
في نفس اللحظة…
اللمبة بدأت تومض بسرعة…
نور… ضلمة… نور… ضلمة…
وفي كل ومضة…
كان في حاجة بتقرب.
في الأول…
مفيش حد.
بعدين…
ظل.
بعدين…
ملامح.
البنتين.
واقفِين في ركن الأوضة.
بيبتسموا.
كل ومضة… أقرب.
صافي صرخت: “رفعت!!!”
رفعت رجع لورا لحد ما خبط في الحيطة…
البنتين بقوا قدامهم مباشرة.
واحدة منهم قالت بهدوء مرعب:
“الدور جه…”
والتانية كملت:
“مين فيكم هيكمل… ومين هيختفي؟”
وفجأة…
الرمز اللي على إيديهم بدأ ينور بقوة…
والأوضة كلها اتهزت…
وصوت صراخ عالي ملي المكان…

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *