إيد "صافي" كانت بتترعش وهي بتبص للدكتور "رفعت"، عينها كانت مبرقة ومش مصدقة اللي هي شايفاه وقالت بصوت مخنوق من الرعب: "عايشين يا دكتور.. الاتنين لسه فيهم الروح!" الدكتور رفعت اتنفض من مكانه، صدمته مخدتش ثواني وقلب فجأة لواحد تاني خالص، زعق وهو بيندفع ناحية الدولاب: "اطلبي الإسعاف حالاً! بسرعة يا صافي!" صافي جابت التليفون وهي مش حاسة بصوابعها، الموبايل كان هيقع منها وهي بتطلب النمرة، ورفعت كان شغال زي المكنة، سحب السماعة وماسك الأكسجين وجري على البنت الأولى، حط السماعة على صدرها ووشه جاب ألوان وهو بيسمع النبض الضعيف اللي بيصارع الموت وقال وهو بيكلم نفسه: "إزاي؟ إزاي عدت علينا دي؟ دي كانت جثة قدامي!" فجأة، القاعة اللي مفيهاش صريخ ابن يومين شقها صوت ضحكة مكتومة، ضحكة طالعة من البنت التانية وبعدها كحة هادية خالص، صافي لفت رقبتها والرعب والراحة بيضربوا في قلبها في نفس الوقت وقالت: "الصوت ده تاني يا دكتور.. أنا سمعته!" رفعت وشه اتخشب وبص للبنت بجمود وقال: "دي مش ضحكة يا صافي، ده هوا بيزق في مجرى تنفس ضيق، مجرد رد فعل عصبي مش أكتر"، بس عينيه كانت بتقول عكس كلامه، كان فيه حاجة غلط، حاجة تقبض القلب، وبعد دقايق كانت سراين الإسعاف بتزلزل المكان والمسعفين داخلين يجروا بالنقالات، شالوا البنات بسرعة وركبوا الأكسجين والأجهزة بدأت تصفر وهي بتقيس العلامات الحيوية، وفي اللحظة اللي كانوا بيسحبوا فيها النقالات لبره، عين صافي وقعت على حاجة خلت بطنها تكركب من الخوف، شددت على إيد الدكتور وقالتله: "دكتور رفعت.. بص كدة"، رفعت نزل بعينه على معصم البنتين وشاف علامات خفيفة أوي وشبه بعض بالمللي، لا هي خبطة ولا هي أثر حقنة، دي كانت رموز ووشوم غريبة مرسومة بدقة مرعبة، وفي نص الليل والمستشفى هسس، الدكتور رفعت كان واقف قدام تقرير المعمل وعينيه مش مصدقة الورق اللي بين إيديه، صافي قربت منه بخوف وسألته: "التحاليل قالت إيه؟" رفعت بلع ريقه بصعوبة وقال: "مش راكبة على بعضها.. التقرير بيقول إن فيه سم فعلاً في دمهم، بس الكمية دي متنيّممش عيل صغير، إزاي ظهروا كأنهم ميتين؟" وبص للبنتين اللي نايمين في العناية المركزة جنب بعض وقال بصوت واطي: "فيه حاجة أبطأت أجهزتهم الحيوية لدرجة الصفر، كأن فيه حد حبس روحهم جوه جسمهم وضحك على الموت نفسه"، صافي جسمها قشعر وقالت: "قصدك إن فيه حد خطط لكل ده عشان يبانوا ميتين؟" رفعت مقدرش يرد، لأن في اللحظة دي بالثانية، البنتين فتحوا عينيهم مع بعض في نفس اللحظة، وبصوا لبعض وبمنتهى الهدوء رسموا على وشهم نفس الابتسامة المرعبة، وبصوا لرفعت وصافي كأنهم كانوا سامعين كل كلمة بتتقال. رفعت جري على الباب كأنه بيهرب من كابوس، فتحه بعنف وبص في الطرقة… فاضية. سكون تقيل… مفيش غير صوت الأجهزة جوه الأوضة لسه بتصفر كأنها رافضة تصدق إن اللي عليها اختفوا. صافي خرجت وراه ببطء، صوتها كان بيرتعش: "هما… خرجوا إزاي؟! ده دور عناية… كله مراقبة!" رفعت مردش… عينه كانت مركزة على الأرض. في آثار… آثار رجلين مبلولة… ماشية في الطرقة. بس الغريب؟ إنها كانت رايحة في اتجاهين مختلفين… كأن كل واحدة مشيت لوحدها. صافي همست: "نتقسم؟" رفعت بص لها بسرعة وقال بحزم: "لا… مش هنفترق." لكن قبل ما يكمل… صوت المصعد في آخر الطرقة رنّ. تينج. الباب اتفتح ببطء… والنور اللي جواه كان بيترعش. رفعت شد نفس عميق وقال: "تعالي." قربوا بحذر… كل خطوة كانت تقيلة كأن الأرض ماسكاهم. أول ما وصلوا قدام الأسانسير… لقوا حاجة خلت الدم يجمد في عروقهم. على أرضيته… كان فيه نفس الرمز. مرسوم… بس المرة دي بدم. صافي غطت بقها وهي بتشهق: "دي نفس العلامة…" وفجأة… صوت جه من جوه الأسانسير… طفولي… وناعم جدًا: "إنتوا جيتوا متأخر…" رفعت بص لجوه ببطء… مفيش حد. بس المراية اللي في ضهر الأسانسير… كانت عاكسة صورتهم… ومعاهم… اتنين واقفين وراهم. نفس البنتين. وشهم قريب من ودان رفعت وصافي… وبيبتسموا. رفعت لفّ بسرعة… مفيش حد. رجع بص للمراية… لسه موجودين. واحدة منهم رفعت صباعها على بقها في إشارة "اسكت"… وبعدين الاتنين قالوا في نفس اللحظة: "الدور عليكم…" الأسانسير قفل لوحده بعنف. والنور في الطرقة كلها طفى. وبدأت تتسمع خطوات… جاية ناحيتهم… مش خطوة واحدة… خطوات كتير. رفعت مسك إيد صافي جامد وقال: "إجري!" وجروا… بس وهم بيجروا… صافي لمحت حاجة على الحيطة خلتها تصرخ: كل الأبواب… كان مرسوم عليها نفس الرمز. وفي آخر الطرقة… باب واحد بس… مفيهوش علامة. واقف لوحده… رفعت وقف لحظة قدام الباب… أنفاسه سريعة، وعقله بيصرخ إنه ما يدخلش… بس مفيش اختيار. وراهم خطوات بتقرب… صوتها بقى أوضح… أكتر… كأن في ناس كتير ماشية في نفس الإيقاع. صافي شدّت إيده وهمست: "ندخل… حالاً!" رفعت هز راسه ودفع الباب… صرررر… الباب فتح على أوضة صغيرة… ضلمة… ومفيهاش غير لمبة صفرا ضعيفة بتترعش في السقف. أول ما دخلوا… الباب اتقفل وراهم لوحده. صافي خبطت عليه بخضة: "لأ لأ لأ… مش تاني!" رفعت لف بسرعة وبدأ يبص حوالينه… الأوضة كانت فاضية تقريبًا… إلا من حاجة واحدة. كرسي. وعليه… تسجيل قديم… كاسيت. صافي قالت وهي مرعوبة: "إيه ده…؟" وقبل ما رفعت يقرب… التسجيل اشتغل لوحده. تششششش… وبعدين صوت… خشن… متقطع: "لو بتسمعني… يبقى هم صحّوا…" رفعت جمد. الصوت كمل: "أنا دكتور… زيك… وافتكرت إني فاهم… بس كنت غلطان…" صافي همست: "في حد كان هنا قبلنا…" الصوت ضحك ضحكة قصيرة متعبة: "العلامة اللي على إيديهم… مش وشم… دي اتفاق…" رفعت قرب أكتر… قلبه بيدق بعنف. "اتفاق مع حاجة… بترجعهم… كل مرة… بس مش لوحدهم…" فجأة… الصوت وطي كأنه بيهمس: "كل مرة بيرجعوا فيها… بياخدوا مكان حد…" صافي شهقت: "يعني إيه؟!" الصوت صرخ فجأة: "يعني مش هتخرجوا كلكوا!" تششششششش… التسجيل وقف. في نفس اللحظة… اللمبة بدأت تومض بسرعة… نور… ضلمة… نور… ضلمة… وفي كل ومضة… كان في حاجة بتقرب. في الأول… مفيش حد. بعدين… ظل. بعدين… ملامح. البنتين. واقفِين في ركن الأوضة. بيبتسموا. كل ومضة… أقرب. صافي صرخت: "رفعت!!!" رفعت رجع لورا لحد ما خبط في الحيطة… البنتين بقوا قدامهم مباشرة. واحدة منهم قالت بهدوء مرعب: "الدور جه…" والتانية كملت: "مين فيكم هيكمل… ومين هيختفي؟" وفجأة… الرمز اللي على إيديهم بدأ ينور بقوة… والأوضة كلها اتهزت… وصوت صراخ عالي ملي المكان… لمحة نيوز وبعد ثواني… الهدوء رجع. باب الأوضة اتفتح ببطء… وخرج شخص واحد بس… ماشي ببطء في الطرقة. وقف قدام المراية… رفع إيده… كان عليها نفس الرمز. ابتسم… نفس ابتسامتهم.الشخص وقف قدام المراية… أنفاسه هادية بشكل غريب… كأنه مش خارج من كابوس… كأنه راجع لبيته. رفع عينه ببطء… كان… رفعت. بس مش هو. ملامحه زي ما هي… لكن عينه فيها لمعة غريبة… باردة… فاضية. بص لإيده… الرمز كان لسه منوّر بخفوت… وبعدين اختفى كأنه عمره ما كان موجود. ابتسم نفس الابتسامة المرعبة وقال بصوت واطي: "واحد… مقابل اتنين… صفقة كويسة." وفجأة… من وراه… صوت اتكسر: "رفعت…؟" اتجمّد. لف ببطء… كانت صافي. واقفة آخر الطرقة… وشها شاحب… بس عايشة. رفعت الحقيقي. صافي كانت بترتعش وهي بتبص عليه: "إنت… خرجت إزاي؟ هما فين؟" رفعت (أو الحاجة اللي جواه) ابتسم وقرب خطوة: "كلهم… جوا." صافي رجعت خطوة لورا: "أنا كنت فاكرة… واحد بس اللي هيخرج…" سكت لحظة… وبعدين قالت بصوت مكسور: "بس واضح إن في حد كدب…" رفعت وقف… عينه ضيقت شوية… "إنتِ فهمتي أسرع من اللازم." صافي دموعها نزلت: "إنت مش رفعت." ابتسامته وسعت… "وإنتِ… مش هتفضلي صافي." في اللحظة دي… كل أنوار المستشفى طفت مرة واحدة. صرخات بعيدة بدأت تتسمع… أبواب بتخبط… أجهزة بتصرخ… كأن اللي حصل في الأوضة… بدأ ينتشر. صافي جريت… قلبها بيدق بعنف… بتلف في الطرقة وهي مش عارفة تهرب فين… بس في كل سكة… كانت تلاقي نفس الرمز. على الحيطان… على الأرض… حتى على إزاز الشبابيك. وبعدين… وقفت فجأة. قدام أوضة العناية. الباب كان مفتوح. جوا… سريرين. عليهم… اتنين نايمين. قربت ببطء… قلبها هيقف. رفعت… ونفسها. الاتنين نايمين… مغمضين… كأنهم هما اللي جوه… مش اللي بره. صافي رجعت لورا وهي بتهمس: "أنا… برا… ولا جوا؟…" وفجأة… حست بإيد على كتفها. صوت رفعت (المش هو) وراها: "ولا هنا… ولا هنا…" وقرب منها وهمس في ودنها: "إنتي لسه… في النص." الرمز ظهر على إيدها فجأة… وبدأ ينور. صرخت… بس صوتها اختفى. تاني يوم الصبح… المستشفى رجعت طبيعية. كأن مفيش حاجة حصلت. تقرير رسمي اتكتب: "حالة ارتباك مؤقت بسبب ضغط العمل… لا يوجد أي وقائع غير طبيعية." وفي آخر الكوريدور… ممرضة جديدة واقفة. وشها هادي… مبتسمة. لو حد ركّز كويس… هيلاحظ نفس الابتسامة. نفس الهدوء. ونفس الرمز… مستخبي تحت كمها.الصبح عدى عادي… زيادة عن اللزوم. هدوء بارد… مفيش أي أثر للفوضى اللي حصلت. بس في حاجة كانت غلط… الدكتور رفعت كان قاعد في مكتبه، قدامه ملف فاضي. مش فاكر. ولا حاجة. صافي دخلت عليه بهدوء… لبسها نضيف… مفيش أي علامة تعب… بس عينيها كانت مختلفة. واقف قدامه وقالت بابتسامة خفيفة: "صباح الخير يا دكتور." رفعت بص لها باستغراب بسيط: "إحنا… نعرف بعض؟" صافي سكتت لحظة… وبعدين قالت: "كفاية إنك كويس." لفت تمشي… لكن قبل ما تخرج… رفعت حس بحاجة غريبة… إحساس تقيل في صدره. بص على إيده… علامة خفيفة جدًا… بالكاد تُرى… نفس الرمز. بس… مطفي. قام بسرعة: "استني!" صافي وقفت من غير ما تبصله. "إيه اللي حصل امبارح؟" صافي أخدت نفس طويل… وبعدين قالت من غير ما تلف: "في ناس… بترجع… بس مش زي ما كانت." رفعت قرب خطوة: "وإحنا؟" سكتت ثانيتين… "إحنا كسبنا." رفعت قال بسرعة: "كسبنا إيه؟ أنا مش فاهم!" صافي لفتله أخيرًا… ابتسمت… ابتسامة هادية… مش مرعبة المرة دي. "كسبنا نفسنا." رفعت اتلخبط: "والتانيين؟" ابتسامتها اختفت تدريجيًا… وقالت بهدوء: "التمن… اتدفع." بعد أسبوع… تم نقل صافي لقسم تاني. رفعت حاول يفتكر… حاول يربط الأحداث… بس كل مرة دماغه تقف عند نقطة معينة. كأن في حد ماسح جزء من الحقيقة. لكن… كل ما يعدي جنب مراية… يقف. يبص لنفسه… ويحس إن في حد تاني بيبص معاه. وفي ليلة هادية… وهو لوحده في المكتب… الكهربا قطعت لحظة. ورجعت. بص للمراية اللي قدامه… شاف نفسه. طبيعي. لكن… لثانية واحدة بس… قبل ما يرمش… شاف الابتسامة دي. نفسها. رفعت همس لنفسه: "انتهى… صح؟" وفي صمت الأوضة… اترد عليه… بنفس صوته… بس أهدى… وأبرد: "لا…" انتهت القصة.