بقلم امل نصر 2

على الطاولة المستديرة للطعام ( الطبلية) في المساء وجميع أهل المنزل جالسون على الأرض، في انتظار رب الأسرة سالم الذي أتي اليهم بعد ان فرغ من صلاته ليتناول معهم وجبة العشاء، جلس مثلهم وعيناه تطوف عليهم، يقول :
– عيني باردة عليكم النهاردة تتحسدوا!
ردت نجية باستغراب:
– وايه اللي جد بقى عشان يتحسدوا ؟ .
بنظرة ماكرة رد سالم وعيناه ذهبت نحو ندى التي جلست تتناول العشاء معهم اليوم :
-وه يا مرة يامتوهة انتِ، مش واخدة بالك ان الطبلية كاملة ومحدش غايب؟
التفتت نجية نحو ابنتها بلهجة ماكرة هي أيضًا تجاريه قائلة:
– اَااه ، فهمت، اصلي مكنتش واخدة بالي بقى ياابو محمد ؟ بس انت تقصد البسة اللي كانت غايبة بقالها يومين، والنهاردة جات تاكل معانا تحت الطبلية صح؟
اومأ ضاحكًا سالم :
– صح ياام محمد، عرفتيها ازاي دي؟
وانطلقت ضحكات الجميع بعدها ومزاحهم المبطن حول ندى التي اسبلت عيناها تتناول طعامها في صمت، دون ان ترد عليهم، وما الداعي للرد وقد اطمان قلبها بعودة فرصتها مرة اخرى؛ نحو الشاب الذي اتى اليوم ليخبرها بأنه يريد معاودة التقدم لطلب يدها مرة أخرى، عاد بذهنها لقاءهم اليوم بجوار سور مدرستها وطلبه اخذ رأيها، في الإرتباط به، بقدر الخوف الذي اجتاحها بهذه اللحظة من جرأته، بقدر السعادة التي شعرت بها، حينما وجدته متمسك بها رغم تعرضه للرفض من ابيها ووالدتها، لم تجرؤ على احراجه؛ بل صمتت تخجل عن الرد ؛ فاستغل هو الفرصة لاخذ رقم هاتفها ! ذاكرًا لها ان اسمه كي تذكره .
رددت بأسمعاها الأسم تعيده بذهنها .
– كرم،
– ساكتة يعني ياست ندى ومابتروديش؟ بش بعادة يعني الأدب ده؟
– همممم.
خرجت منها بعدم تركيز، بعد أن أجفلها ابيها بسؤاله، والذي تابع :
– ايه يابت ؟ هو انتِ سرحانة كمان ؟
استفاقت من شرودها فردت بسأم :
– وه يابوي ، هو انتوا هاتخدوني سيلوتكم النهاردة ؟ يعني الحق عشان قولت اكل معاكم؟ لو مضايقين اقوم.
هدر عليها غاضبًا :
– اقعدى يابت واترزعي على حيلك، هو انت كمان مش حاملة الهزار ؟
اطرقت ندى برأسها نحو الطعام تتناوله بصمت، كما فعل الجميع بعد صياح سالم الغاضب وتحوله، ثم مالبث ان يقطع محمد الصمت بعفويته كالعادة:
– انا النهاردة عملت زي سبايدر مان وطلعت الشجرة .
ردت يمنى على كلماته ضاحكة:
– سبايدر مان مرة واحدة يااستاذ محمد؟ وعلى كدة طلعت الشجرة كيف ياعم سبايدر؟.
حكى لهم محمد كيف صعد على شجرة الجميز خاصتهم، وكيف التقط ثمارها التي نضجت مبكرًا ، ثم توزيعها على افراد العائلة وصالح؛ صديقه كما يدعي! وعند هذه النقطة تدخلت ندى معترضة:
– صاحبك كيف ياض بلا هبل؟ هو في سنك ده ولا تعرفوا انت من الأساس .
رد محمد مدافعًا:
– صاحبي والنعمة، هو دايمًا بيقولي كدة، عشان هو طيب وبيحبني.
– طيب وبيحبك!
رددتها ندى بسخرية اثارت عضب يمنى اخيها واستنكار الجميع، تدخلت معهم سمر في الحديث:.
– وفيها ايه يعني لما يقول عليه انه صاحبه ياست ندى ؟ ثم ان الراجل اساسًا، في حاله وفي حال نفسه، دا طول الوقت محبوس في الأوضة، ما بيطلعش منها غير على الحمام اللي جمب اوضته وهو بيتسند على الحيطان ولا في مرة عينه رفعها عن الأرض ولا بص لواحدة منينا، طب والله انا بيصعب عليا لما نبقى بنهزر ونتكلم مع بعضينا هنا، وهو قاعد لوحدة طول الوقت.
اجفلت سمر الجميع بكلماتها المتعاطفة مع الرجل وحالته، حتى الجمتهم عن الرد، وعادوا لطعامهم يتناولوه بصمت، حتى أتى اليهم يونس الذي خرج من غرفته اَخيرًا كي ينضم اليهم :
– معلش ياجدعان اتأخرت عليكم، بس كان معايا تلفون معهم.
قال يونس وهو يجلس ليتناول الطعام معهم، اومأ له سالم بعيناه وأكمل يمضغ طعامه بشرود في كلمات ابنته الصغيرة ومحل اعراب خذا الرجل في البيت، ثم مالبث أن ينهض سريعًا وهو يخاطب شقيقه:
– كمل وكلك يايونس وتعالي ورايا فوق عالسطح، عشان انا عايز اتكلم معاك.
لاحقه يونس باستفسار:
– مابدري ياخوي، هو انت لحقت تاكل؟
لوح سالم بكفه له بصمت، وتابع سيره الى الصعود نحو السطح.
……………………………..

– مابيرفعش عينه من الأرض هههه .
تفوه بها يونس مستنكرُا بسخرية وتابع :
– والله باين بتك مخبلة وطالعة بركة يا واد ابوي؟
تغضن وجه سالم من سخرية اخيه فقال باستياء:
– ولزوموا إيه المقلتة دي يا يونس، هو انت شايف بتي هبلة عشان تتمألس عليها.؟!
ذهب عن وجه يونس العبث فاردف بجدية نحو أخيه:
– انا مش بتمألس عليها ولا اتريق، انا بس مستعجب البت وامها وابوها واختها الكبيرة كمان، كلكم ياسالم بقى قلبكم ني معاه وانا بقى العفش فيكم، قولت نخلص منه من الاولى عشان مانعرفش المصايب اللي هاتيجي وراه ، لكن انتوا رفضتوا بحجة انكم عايزين تساعدوه وتعالجوه وقولت عليه روح وكلام فاضي ، طب اهو اللي حسبتوا طلع صح، والواد اللي قاعد تحت دي في أوضة ولدك ماطلعش مجرم وبس ، لا دي طلع ابن حرام ومابيتمرش فيه الجميل ولا يقدر شرف ولا عرض.
انقبض قلب سالم فسأله بجزع :
– قصدك ايه يا يونس بكلامك ده ؟ خلي بالك ياواد ابوي، دا كلام واعر ويطير فيه رقاب .
رد يونس بشبه ابتسامة ساخرة :
– رقبة مين بقى ياسالم ؟ رقبتي انا اللي هاكمل ٣٠ سنة دلوك ومالمستش مرة عشان طمعان في حلال ربنا؛ وبحط القرش على القرش وطافح الكوتة عشان اقدر اكمل شقتي وحق الشبكة قبل ما اتقدم لبنت من بنات البلد، ولا رقبة صاحبنا ده ؛ اللي كان عايش في قصور وبياكل احسن وكل ويلبس احسن لبس، في عز بيت جده ، وفي حما النايب ابن كبير البلد عندهم شعبان ابو مندور؛ اللي مقدرش مكانته واتهجم على مرته بعد ما سرقهم .
حجظت عيناه سالم واضربت حدقيتيه وهو يسأله بعدم استيعاب :
– انت بتقول ايه يايونس ؟ وجبت الكلام ده منين ؟
رد يونس بثقة :
– جبت الكلام ده من ناس ساكنة في بلدهم نفسها، يعني مش بالف ولا بخترع من مخي، ماهو انت لما ادتني الأسم امبارح واسم بلده على طول انا اتصلت بجماعة اصحابي هناك وهما اللي رسوني على الحكاية، وكمان قالولي الكبيرة؛ المحروس كان محبوس بقالوا يجي اربع سنين ومحدش يعرف في البلد ان كان خرج من السجن ولا لساتوا محبوس فيه.
– يعني كمان خريج سجون؟
سأل سالم ورأسه لا تقوى على تلقي حجم الصدمات ، رد يونس بتهكم :
– امال انت كنت ظانن إيه بعد الكلام اللي قولته دا كله؟ الراجل بلغ عنه وسلمه للحكومة متلبس ، يعني واخد لعنات عيلتوا كمان .
دارت الأرض بسالم ، من كم الصدمات التي يتلقاها واحدة تلو الأخرى عن هذا الرجل الذي يأويه داخل بيته بدافع انساني ويقوم على خدمته وعلاجه مع زوجته وابنت…..
انتقض فجأة وقد اشتعل رأسه لمجرد التخيل انه قد يأذي ابنته، فتناول بندقيته ليتحرك مغادرًا دون النطق ببنت شفاه ، اوقفه يونس وهو يتصدر بجسده أمامه :
– هاتعمل ايه ياسالم ؟ مش عايزين نجيب لنفسنا النصايب على واحد مالوش تمن زي ده.
– اوعى من قدامي يايونس ، خلينا امشي اعدي احسنلك .
قال سالم وهو يدفع اخيه بيده الحرة ، ولكن يونس تشبث به وبالبندقية:
– يا سالم ماينفعش تتهور ، انت معاك عيال عايز ترابيهم .
دفعه بقوة هادرًا بأعين حمراء مشتعلة ببراكين الغضب:
– ماهو عشان عيالي اللي عايز ارابيهم سيبني ياسالم .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *