بقلم امل نصر 2

حينما دلف سالم من الباب الداخلي للحديقة التي في خلف المنزل، وجد امامه يمنى متكتفة الذراعين واقفة أمامه وكأنها تنتظره ،
– إيه امال ؟ في حاجة اياك؟
سأل سالم ابنته بريبة، فاجابته بسؤال :
– هو عمي يونس قال ايه لصالح عشان يبقى بالحالة دي؟
قطب سالم بحيرة سائلًا :
– حاجة ايه بالظبط؟ وحالة ايه اللي بتقولي عليها دي ؟
اجابته يمنى بتفكير :
– مش عارفة اوصفلك ازاي ؟ بس هو مارديش يحط لقمة في جوفه من الصبح وبيقول لامي انه عايز ياخد الدوا كدة ، وانا لما دخلت عنده عشان اسأله، قالي ان عمي معاه حق ، وان الغلط منه هو عشان غباءه كان السبب في كل المصايب والبلاوي اللي حلت فوق راسه!
ضيق سالم عيناه قليلًا يستوعب قبل يسألها :
– بلاوي ولا مصايب ايه اللي بيقول عنها ؟
– مش عارفة يابوي بس انا لما سألته طلب يشوفك عشان يكلمك.
اجابته بحيرة، فتمتم سالم بكلماتها :
– عايز يكلمني ! ودا هايكون عايزني في ايه يعني ؟
تحرك ليتخطاها ويذهب ولكنها أوقفته :
– بابوي انا كنت بسألك، هو عمي قالوا ايه بالظبط وخلاه بالحالة دي وانت مجاوبتنيش ؟
– يابتي انا كمان ماعرفش، عمك نفسه انا ماشفتوش ولا كلمته امبارح من وقت مااتصلت بيه و……
قطع كلماته متذكرًا، اكملت على كلماته تسأله:.
– و إيه يابوي ؟ قولتوا لبعض ايه في التليفون ؟
نظر اليها قليلًا بصمت قبل ان يرد عليها:
– ماقولناش ولاحكينا يا يمنى ، انا بس قولتله على اسم صالح الحقيقي واسم بلده وعيلته، ويس على كدة مقولتش على حاجة تانية، اوعي بقى خليني اروح اشوف الجدع ده، واشوف ايه حكايته.
اوقفته يمنى قبل ان يبتعد عنها :
– معنى كلامك ده ان عمي سأل عليه وعرف ايه حكايته ؟
استدار اليها ابيها قائلًا بتخمين:
– ويبقى أكيد حكايته واعره قوي، بدليل ان عمك دخل عليه وحذره بشدة حسب مافهمت من كلامك .
صمتت يمنى تستوعب كلمات ابيها الذي غمغم عائدًا :
– ربنا يسترها ويعديها على خير.
………………………..
اقترب سالم من الغرفة الموجود بداخلها صالح وقبل ان يدلف اليها دافعًا الباب المفتوح قليلًا بمواربة، ولكنه توقف حينما استمع لصوت صالح وهو يتكلم مع ابنه الصغير محمد:
– سامعني يامحمد، عايزك ياحبيبي تخلي بالك من الكلام دا كويس .
قطب سالم وانتابته الريبة من الكلمات، فدفع الباب قليلًا ليرى، فوجد ابنه جالس امام صالح على الاَريكة اسفل النافذة الخشبية بالغرفة، يتناول معه من الطبق الصغير ثمار الجميز التي جمعها من شجرتهم ، رد محمد بسؤال:
– ايوة يعني ايه؟ برضوا مش فاهم، كيف اخلي بالي من خواتي البنات؟ وكيف عايزني احذر من القرايب.؟.هما مين القرايب دول مش خواتي برضوا؟
تبسم صالح يمسح بكفه على شعر محمد قائلًا بحنان:
– خواتك البنات مش قرايب يامحمد، خواتك دول يبقوا دمك، يبقوا عرضك اللي لازم تحميه من كل عين تبصله بنظرة شينة، خواتك دول مهما كبروا ولا اتجوزا ولا خلفوا حتى،هايفضلوا محتاجين اخوهم سندهم يبقى في ضهرهم.
توقفت الكلمات على لسانه يبتلع الغضه المؤلمة بحلقه حتى، ادمعت عيناه وراَها محمد، وانتبه عليها سالم الذي ظل واقفًا محله يستمع، يستشعر معنى كلماته ومغزاها، كلمات لا تصدر بهذه الحرقة الا من قلبٍ موجوع .
– انت بتبكي باعم صالح؟
سأل محمد فنفى صالح يمسحها بطرف سبابته :
– لا يا حبيبي، دا انا بس عيني اطرفت على خفيف، حكم هي وجعاني من الأساس، المهم بقى انت فهمت كلامي يامحمد ؟
اجاب محمد بثقة:
– ايوة فهمت طبعًا، اي حد هايكلم اخواتي ولا يضايقهم هافرمه فرم .
تبسم صالح يقبله على رأسه بحب، فهذا الصغير لخص بعفويته معنى الحماية والسند، دون مجهود في التفكير.
سالم أيضًا الذي ابتسم في محله، تحمحم يدفع الباب، فيكفيه ماسمعه من حديث،
– السلام عليكم
رفع الاثنان راسهم اليه وردد خلفه صالح التحية:
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
تكلم سالم ممازحُا وهو يجلس أمامهم على الكرسي الخشبي.
– وه وه دا ايه الرضا السامي ده؟ الباشا محمد جايبلك من الجمبز لحد عندك؟ دا انت باين امك دعيالك .
– امي!
تمتم صالح بها بألم قبل ان يتابع باقتضاب :
– ربنا يرحمها .
انتبه سالم على حزنه، فا اردف سائلًا ابنه :
– وعلى كدة بقى الصحن اللي بتاكل منه من نصيب صالح ولا نصيبك؟
سأله مستفسرًا:
– نصيب ايه بالظبط ؟
– اصله ياسيدي بعد ما جمع الجميز الطايب، اتفق معايا انه هايوزعهم بالواحدة علينا، بما انها اول طرحة من الشجرة.
قال سالم فجاء الرد من محمد.:
– الصحن دا مش محسوب، دا صحني انا هاكلوه مع صالح، والباقين هانوزعهم مابينا بالعدل..
– وه ياضلالي،
اردف بها سالم ضاحكًا امام صالح الذي اصابته العدوى وابتسم ممازحًا رغم حزنه:
– دا العدل بتاع محمد باشا بقى، حد يقدر يعترض؟
رد سالم على مزحنه:
– وانا مين بس يابوي عشان اعترض؟ هو في حد في الدنيا يقدر يعارض الباشا؟
توقفت الثمرة على فم محمد الذي نظر اليهم ببلاهة، لايفهم شى مما يقولانه، فضحك الاثنان على تعبيرات وجهه الذي انقلبت لغضبٍ طفولي بعد ضحكاتهم، فنهض فجأة قائلًا بحنق:
– انا قايم احسن .
بعد ان غادر وهدا ضحكاتهم نظر صالح لسالم يحدثه بجدية:
– كويس انك جيت ياعم سالم، عشان انا كنت عايزك في موضوع مهم .
سأله سالم :
– عايز تحكيلي على اللي حصل بينك وبين يونس.
نفى قائلًا :
– لا طبعاً ، انا عايز احكيلك حكايتي يمكن تصدقني
– يهمك قوي اني اصدقك .
اجاب على سؤال سالم بتأكيد :
– مدام قعدت في بيتكم وكلت من وكلكم وشربكم، يبقى أكيد يهمني انكم ماتندموش على مراعيتي ولا علاجي، رغم اني معرفش ان الكلام اللي هاقوله ده ، هايدخل دماغك وتصدقه ولا لأ.
اومأ سالم برأسه وهو ينهض قائلًا:
– سيب كل حاجة لوقتها، انا هاقوم دلوك عشان تعبان وعايز اتغدى واريح، كُلك لقمة انت كمان وريح راسك التعبانة، وعلى العشية بإذن الله انا هاجيلك واسمع كل حكايتك .
– بس انا كنت عايز احكي دلوقت.
قال صالح بإصرار، فرد سالم بعند :
– وانا ياسيدي مش عايز اسمع دلوقت، خليها على العشية زي ماقولتلك، هي الدنيا هاتطير؟
…………………… .