عربية ابويا

قلبي انقبض.
حطيت الظرف في شنطتي، وشكرته، ورجعت البيت بسرعة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب، وفضلت أبص للظرف دقايق طويلة قبل ما أفتحه.
وفي الآخر، طلعت منه ورقتين.
الأولى كان مكتوب فيها:
«بنتي ليلى الحبيبة…
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا مش موجود جنبك، ومش قادر أقولك الكلام ده بنفسي.
عارف إنك هتزعلي لما تعرفي إني خبّيت عنك سر كبير، لكن صدقيني، أنا عملت كده علشان أحميكي.
فيه حاجات كتير حصلت قبل مرضي بسنين، وكنت فاكر إني هاخدها معايا قبري، لكني اكتشفت إن السكوت ساعات بيكون أذى أكبر من الحقيقة.
أنا عارف إنك بتحبيني، وعارف إنك عمرك ما هتسامحيني بسهولة على اللي هتعرفيه.
لكن قبل ما تحكمي عليّا، لازم تسمعي الحكاية من أولها.
افتكري دايمًا إن العربية الخضرا مش مجرد عربية. جواها ذكرى من حياتي، وحقيقة تخصك إنتِ بالذات.
ولو وصلتِ للمرحلة اللي مش عارفة فيها تصدقي مين، افتحي الورقة التانية، واتصلي بالرقم المكتوب فيها.
بس خلي بالك يا بنتي…
مش كل الناس اللي بتحمل اسم العيلة بتكون فعلًا خايفة على مصلحتك.»
حسّيت ببرودة تسري في جسمي.
رجعت قرأت الجملة الأخيرة أكتر من مرة.
مين المقصود بالكلام ده؟
هل أبويا كان بيتكلم عن كريم؟
ولا فيه حد تاني في حياتنا كان بيخبي علينا حاجة؟
فتحت الورقة التانية، ولقيت رقم تليفون، وتحته اسم واحد بس:
«محمود عبدالسلام»
الاسم ده كان غريب عليّا تمامًا.
عمري ما سمعته من أبويا، ولا شفته في أي ورق من أوراقه.
مسكت التليفون، وفضلت أبص للقم وأنا مترددة. جزء مني كان عايز يعرف الحقيقة مهما كانت، وجزء تاني كان خايف إن الحقيقة دي تهدّ كل حاجة كنت أعرفها عن عيلتي.
لكن في الآخر، ضغطت على زر الاتصال.
رن التليفون مرة…
واتنين…
وتلاتة.
وبعدين رد صوت راجل كبير في السن، صوته كان مبحوح وهادي.
— ألو؟
بلعت ريقي وقلت:
— مساء الخير، حضرتك الأستاذ محمود عبدالسلام؟
سكت شوية، وبعدين رد:
— أيوه، مين معايا؟
قلتله:
— أنا ليلى… بنت عم حسن الميكانيكي.
أول ما قلت اسم أبويا، سمعت نفس الراجل اتغير فجأة.
قال بصوت مرتعش:
— ليلى؟ بنت حسن؟
— أيوه، حضرتك تعرف أبويا؟
فضل ساكت ثواني طويلة، وبعدها قال جملة خلتني أحس إن الأرض بتتهز من تحتي:
— يا بنتي… أنا كنت مستني المكالمة دي من أكتر من عشرين سنة.