ياسين الاسكندراني حكاية نيمو محمد

محدش في منطقة سيدي جابر كان يتخيل إن ياسين اللي بيقعد في ركن قهوة الفيشاوي كل يوم سبت الصبح يكون وراه حكاية غير إنه راجل على باب الله وشغال في المقاولات ويادوب مقضي يومه. ياسين كان دايمًا لابس لبس الشغل، قميص كاروهات قديم وجزمة متربة، وقاعد مع بنته الصغيرة ليلى اللي عندها 7 سنين، بيشرب قهوته السادة وهي قدامها طبق الفطير بالعسل اللي بياكلوه كل أسبوع كأنه طقس مقدس. الناس في الحتة عارفين إنه أب عازب بيربي بنته لوحده، بيصلح عربيته النقل القديمة بنفسه، وبيستنى ليلى قدام باب المدرسة كل يوم ومعاه كيس شيبسي عشان عارف إنها بتطلع جعانة، ده اللي الكل شايفه، بس اللي محدش يعرفه إن ياسين المنشاوي ده كان وحش من وحوش الصاعقة المصرية، قضا سنين من عمره في مهام ورا حدود النار، وشايل في شنطة قديمة تحت سريره أوسمة ونياشين تخلي رقبته متترفعش من تقلها، لكنه اختار يدفن كل ده عشان خاطر وصية مراته الله يرحمها اللي طلبت منه يبعد عن لغة الرصاص ويربي بنتهم في هدوء. وياسين حب العيشة دي، بيت بسيط في آخر الشارع، مرجيحة خشب عملها بإيده في الجنينة الصغيرة، ومذاكرة وقصص قبل النوم الساعة 9 بالثانية، حياة أمان مفيهاش مفاجآت، لحد ما دخل القهوة تلات شباب ولاد ذوات ومعاهم هيئة الغرور اللي تخليك تقرف منهم قبل ما يتكلموا. كان في الركن البعيد بنت رقيقة لابسة لبس التمريض وواضح إنها مخلصة وردية ونازلة تشرب حاجة قبل ما تروح، باين عليها التعب والستر. الشباب دول بدأوا يتلمضوا، واحد ركن على الطرابيزة بتاعتها، والتاني سد عليها الطريق، والتالت ببرود غريب مسك إيدها وهي بتحاول تبعد بوش أحمر من الكسوف والخوف. القهوة كلها اتسمرت، عم عبده القهوجي وقف بالكنكة في إيده، والسواقين بطلوا كلام، والكل بص في ورقة الكوتشينة وعمل نفسه مش شايف حاجة، الخوف كان سيد الموقف، والجو فجأة بقى تقيل ومخلوق، ليلى الصغيرة كانت بتراقب المشهد وعينيها مبرقة، شدت كم ياسين وقالت بصوت واطي ومبحوح يا بابا، عشان خاطري ساعدها، البنت بتعيط. ياسين ماردش في وقتها، بص لعين بنته، 5 سنين وهو بيقنع نفسه إن العنف مات، وإن ياسين القديم اتدفن، بس لما شاف الشباب بيجرجروا البنت من إيدها، حط كوباية القهوة على الطرابيزة بتركيز مرعب، الرنة بتاعة الكوباية كانت هي صفارة البداية. ياسين قام، وفي أقل من عشر ثواني كان التلاتة على الأرض، واحد دراعه متني ورا ضهره وبيصرخ، والتاني المطواة اللي كان فاكر نفسه بيها بطل طارت من إيده، والتالت وشة في الأرض ومش فاهم الدنيا لفت بيه إزاي. ياسين ولا زعق ولا اتمنظر، وقف عدل هدومه وسأل البنت في هدوء إنتي كويسة يا بنتي؟، ليلى كانت واقفة وماسكة في جيب أبوها وفخورة بيه، والقهوة كلها قامت فجأة، اللي بيصور بالموبايل واللي بيطلب البوليس، والكل بيسأل ياسين أنت مين يا جدع أنت؟. وياسين اللي هرب من الأضواء سنين، لقى نفسه حديث الساعية كلها. تاني يوم الصبح، وقفت عربية سودة فخمة جداً قدام بيته المتواضع، ليلى كانت على السلم بتلعب مع قطة الشارع، وياسين شاف نمر العربية الحكومية وعرف إن المستور انكشف. نزل من العربية راجل شعره أبيض وجسمه زي الرمح، لابس بدلة عسكرية تقيلة برتبة فريق أول، وقف قدام البيت وبص لياسين بنظرة فيها تاريخ طويل من المعارك، وياسين إيده اتشنجت على باب السلك وهو مستني يسمع الحكم. الفريق قرب ووطى لمستوى ليلى ، وبعدين بص لياسين وقال بنبرة هزت الحيطة سيادة العقيد ياسين، مصر محتاجة رجالتها تاني، بس المرة دي مش عشان الحرب.. المرة دي عشان البنت اللي إنت وبنتك أنقذتوها، تطلع بنتي الوحيدة، وحكايتك من النهاردة مش هتقف هنا يا بطل ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة فيها تعب سنين، وبص للفريق وقال بهدوء
أنا سيبت كل ده يا فندم من زمان.
الفريق رد بسرعة، لكن صوته كان أهدى المرة دي
وأنا عارف كويس ليه سيبته وعارف إنك وفيت بوعدك. بس اللي حصل امبارح مش صدفة دي رسالة.
ليلى كانت واقفة تبص للاتنين، مش فاهمة كل الكلام، بس حاسة إن في حاجة كبيرة بتحصل. مسكت إيد أبوها وقالت
بابا هو إحنا هنمشي؟
ياسين نزل لمستواها، مسح على شعرها وقال
ولا هنمشي ولا حاجة بس يمكن هنساعد شوية ناس.
الفريق ابتسم، وبص ليلى وقال
إحنا محتاجين شطارتك إنتي كمان يا بطلة عشان باباكي يوافق.
ليلى ضحكت، بس خايفة حد ياخده منها.
الفريق رجع بص لياسين، وملامحه جدّت
البنت اللي أنقذتوها اسمها سلمى. مش مجرد بنت عادية دي كانت شاهدة على شبكة كبيرة جدًا ناس تقيلة، فوق ما تتخيل. حاولوا يسكتوها امبارح وده معناه إنهم اتفضحوا خلاص.
ياسين عينه لمعت، نفس اللمعة القديمة لمعة الصاعقة.
عايزين مني إيه؟
مش عايزينك ترجع جندي عايزينك تبقى درع. تحميها لحد ما نشد الخيط كله.
سكت ياسين شوية، وبص لبيته المرجيحة اللي عاملها بإيده شنطة المدرسة بتاعة ليلى صوت القطة اللي بتتمسح في رجله.
حياة هادية هو حارب عشانها.
لكن
في بنت تانية ممكن تخسر حياتها.
ليلى شدته من هدومه وقالت بحماس بريء
بابا هي البنت دي عندها بابا؟
ياسين رد بهدوء
لا يا حبيبتي شكلها لوحدها.
ليلى بصتله بعين مليانة دموع صغيرة وقالت
يبقى لازم نساعدها.
ساعتها القرار اتاخد.
ياسين وقف، وبص للفريق وقال الجملة اللي كانت كأنها رجوع روح قديمة لجسمه
تمام يا فندم

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *