ماتدفنوهاش حكايات نيمو محمد

“ما تدفنوش! دي مش هي اللي في النعش!”، صرخة شقت السكوت اللي كان مغيم على مدافن “الغفير” في عز الضهر، خلت الحانوتي يسيب الخشبة من إيده والنسوان تقطع الصويت في لحظة، الكل اتجمد مكانه وعينيهم راحت على “نور”، البنت الصغيرة اللي كان وشها أصفر زي الليمونة بس عينيها فيها قوة غريبة، كانت واقفة بتشاور بصباعها المهزوز على النعش اللي كان خلاص هينزل القبر، صرختها مكنتش صرخة عيلة خايفة، دي كانت رصاصة اخترقت هيبة أكبر جنازة في المنطقة لمرات “المعلم برنس”، الراجل اللي كلمته سيف على رقبة الكل، المعلم برنس قرب منها وعروق وشه بارزة وعينه بتطلع شرار وزعق بصوت زي الرعد “إنتي بتقولي إيه يا بت إنتي؟ اتهبلتي؟”، لكن نور متراجعتش خطوة واحدة وقالت بصوت مسموع للكل “لو كانت دي مامتك بجد، يبقى فين الوحمة اللي في إيدها الشمال؟ أنا شوفت إيد اللي جوه النعش دي.. دي إيد واحدة تانية خالص!”، في اللحظة دي الهوا سكن والهمس بدأ يزيد بين الناس، والمعلم برنس ملامحه اتغيرت من الغضب للرعب والذهول، وبحركة سريعة مكنش حد يتوقعها، زق الحانوتي ورفع غطا النعش بإيده وهو بينهج، والناس كلها اتكفت على النعش عشان يشوفوا، وفجأة المدافن كلها اتحولت لبركان لما اتكشف إن اللي جوه فعلًا واحدة غريبة محدش يعرفها، و”نور” فضلت واقفة وسط الزحمة والهرجلة دي وهي بتبص للمعلم برنس وبتقول ببرود مرعب “إنت عارف كويس هي فين يا معلم، وعارف إن اللي جوه دي هي تمن سكوتك”، وقبل ما حد يستوعب هي بتقول إيه، لمح المعلم برنس خيال حد واقف فوق السور من بعيد وماسك في إيده قماشة سودة مطرزة، نفس القماشة اللي كانت دايما “المرحومة” بتلبسها، وفهم في لحظة إن الجنازة دي مكنتش لدفن جثة، دي كانت البداية للعبة دم هتحرق الأخضر واليابس في الحارة كلها.الراجل اللي الموبايل في إيده بص للشاشة وهو متجمد، وبصوت مبحوح قال:
“في رسالة…”
الناس اتلمّت حواليه، والمعلم برنس شدّ الموبايل من إيده بعنف وبص فيها.
الرسالة كانت قصيرة… بس تقيلة:
“اللي اتدفن النهارده… كان شاهد. واللي جاي… متهم.”
إيد المعلم برنس ارتعشت، بس حاول يداري، ورفع عينه يدور على نور… لكنها ما كانتش في مكانها.
اختفت.
كأن الأرض بلعتها.
في نفس اللحظة…
بره المدافن بشوية، في زقاق ضيق محدش بياخد باله منه، كانت نور ماشية بسرعة، قلبها بيدق جامد بس وشها هادي بشكل غريب.
وقفت فجأة.
صوت خطوات وراها.
مشيت أسرع.
الخطوات زادت.
قبل ما تلحق تجري… إيد شدت دراعها بعنف.
لفت بسرعة… وكانت الصدمة.
“إنت؟!”
راجل كبير، شعره أبيض بس عينه حادة، قال بهدوء:
“مافيش وقت يا نور… اللي عملتيه النهارده كان لازم، بس إنتي كده دخلتي اللعبة رسمي.”
نور حاولت تفلت إيدها:
“أنا أصلاً في اللعبة من زمان… من يوم ما أمي اختفت.”
الراجل سكت لحظة… وبعدين قال:
“يبقى لازم تعرفي الحقيقة كلها.”
في المدافن…
المعلم برنس كان لسه واقف، بس وشه اتغير. مش غضب… ده خوف.
واحد من رجاله قرب وقاله:
“نعمل إيه دلوقتي يا معلم؟”
برنس رد من غير ما يبصله:
“اقفلوا المدافن… محدش يخرج ولا يدخل.”
وبص للقبر اللي فيه الجثة الغريبة، وقال بصوت واطي:
“واضح إنهم رجعوا…”
فجأة…
صوت صريخ جه من آخر المدافن.
جروا ناحية الصوت.
واحدة ست كانت واقعة على الأرض، بتشاور بإيد مرتعشة على قبر قديم متكسر.
التراب عليه… كان بيتحرك.
قدام عيونهم.
وببطء مرعب…
إيد طلعت من تحت التراب.
ناس صرخت وجريت، وناس اتجمدت.
المعلم برنس قرب خطوة… رغم الخوف اللي باين عليه.
والإيد طلعت أكتر… وبان منها القماشة السودة المطرزة ملفوفة حوالين المعصم.
نفس القماشة.
صوت واطي جدًا طلع من تحت التراب:
“اتأخرتوا…”
المعلم برنس وشه اصفرّ… وهمس:
“مستحيل…”
وفي الزقاق…
نور كانت بتبص للراجل الكبير بتركيز، وقالت:
“قولي الحقيقة… أمي فين؟”
الراجل رد بهدوء قاتل:
“أمك… عمرها ما ماتت.”
وسكت لحظة…
“بس اللي رجع النهارده… مش هي بس.”ما تاخده الحياة.
“مش هي بس؟” كررت بصوت واطي… كأنها بتتأكد إنها فهمت صح.
الراجل الكبير بص حواليه بحذر، وبعدين قرب منها خطوة وقال:
“اللي اتفتح النهارده في المدافن مش قبر واحد… ده باب قديم اتقفل زمان بالعافية.”
نور ابتسمت بسخرية خفيفة:
“وأنا مالي بده؟ أنا عايزة أمي بس.”
ساعتها، عينه شدت عليها بقوة:
“أمك هي المفتاح.”
في المدافن…
التراب اللي بيهتز على القبر القديم بدأ يزيد، والإيد اللي طالعة منه بقت أوضح… لحد ما بان جزء من كتف… وبعدين وش مشوه شويه، بس عينه كانت مفتوحة.
واحد من الرجالة صرخ:

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *