الوشم

في لحظة غضب أعمى، مسك الشنطة وقفلها بعنف. سحب الجاكت بتاعه من على الكرسي، وخرج من باب الورشة الصغير وهو شايل الشنطة في إيده. مشي بخطوات سريعة وواسعة ناحية العربية الجيب.

واحد من الرجالة اللي قاعدين قدام نزل الزجاج الفاميه ببطء، وبص لإبراهيم بنظرة باردة من ورا نضارة شمس بالليل. إبراهيم رزع الشنطة على كبوت العربية السودة، الصوت عمل صدى في الشارع الهادي.

“رجعوا البتاعة دي للهانم بتاعتكم، وقولوا لها إبراهيم الأكفن مبيرجعش في كلامه، وبناته مش للبيع.. ولو فاكرة إن فلوسها هتخوفني، تبقى ميعرفش مين هو إبراهيم.”

الراجل اللي جوة العربية مبلمش، ولا اتهز، بس ابتسم ابتسامة صفرا وسحب سيكارة ولعها وقال بصوت هادي يرعب: “يا أسطى إبراهيم.. الهانم لما بتبعت هدية، ميرجعش تاني. والفلوس دي مش عشان تبيع، الفلوس دي عشان تشتري بيها أمان ابنك اللي نايم فوق. فكر كويس.. البلد دي اللي ملوش ضهر فيها بيتفرتك، وأنت ضهرك حيطة طوب أحمر مخلعة. خد الفلوس واتعشى وانسى، بدل ما تصحى الصبح تلاقي نفسك بتدور على ابنك في المستشفيات.. أو الأقسام.”

التهديد كان صريح ومباشر، مفيش فيه لف ودوران. إبراهيم حس إن الدم غلي في عروقه، رفع إيده وكان هيمدها جوة العربية يجيب الراجل من رقبتة، بس صوت قفل الباب بتاع العربية التانية وتكة السلا..ح اللي سمعها من الراجل اللي قاعد جنب السواق خلته يقف مكانه. هو مش في موقف قوة. هما معاهم الس..لاح والفلوس والنفوذ، وهو معاه إيه؟ شاكوش وكماشة وكرامة مجروحة.

الراجل سحب الشنطة من على الكبوت ودخلها جوة العربية وقال له: “هنسيبهالك برة باب الورشة. فكر لحد الصبح.. الصبح الهانم مستنية تليفون منك تقول لها إنك موافق، وإلا.. أنت عارف الباقي.”

العربية دارت وطلعت ببطء، وسابوا الشنطة على عتبة الورشة في الضلمة.

إبراهيم وقف في نص الشارع، الهوا البارد بيخبط في وشه، وهو حاسس إنه متكتف ميت كتفة. دخل الورشة تاني، وسحب الشنطة لجوة ورزع الباب وراه. قعد على الأرض، ساند ضهره على بنك الخشب، ودفن وشه بين إيديه.

في نفس اللحظة، في الدور الواحد وأربعين في برج الألفي بالتجمع الخامس..

كاميليا كانت واقفة قدام نفس الإزاز الكبير، بس المرة دي كانت ماسكة كاس مية بإيد بترتعش. أضواء القاهرة الساحرة كانت باينة من فوق كأنها عقد ألماس، بس جواها كان فيه بركان شغال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *