الكاتبه نور محمد الاخير

مرّت أيام بعدها ببطء غريب…
المستشفى بقت عالم صغير خاص بيهم.
ريحة المطهرات، صوت الأجهزة، وخطوات الممرضين اللي بتعدّي كل شوية…
كل حاجة كانت بتفكر ليلى إن الحياة ممكن تقف فجأة… وترجع تشتغل تاني كأن ولا حاجة حصلت.
لكن جواها… مكنش في حاجة طبيعية.
في يوم هادي—
كانت قاعدة جنب طارق، بتقلب في ملف القض..ية على اللابتوب.
التحقيقات كانت ماشية بسرعة، وأسماء كبيرة بدأت تقع فعلًا…
بس في حاجة مش مظبوطة.
ضيقت عينيها.
“غريبة…”
طارق بص لها من على السرير:
“إيه؟”
لفت الشاشة ناحيته:
“في تحويلات اتقفلت فجأة بعد القبض على حازم… بس الحسابات دي ما اتصادرتش.”
طارق سكت لحظة… وبعدين قال بهدوء:
“يعني في حد لسه بره اللعبة.”
ليلى قفلت اللابتوب ببطء… وقالت:
“أو لسه جوه… بس محدش شايفه.”
في نفس الليلة—
ليلى كانت راجعة البيت متأخر.
الشارع كان شبه فاضي… نور عامود إنارة بيترعش…
وإحساس تقيل بيضغط على صدرها.
طلعت مفاتيحها…
لكن قبل ما تفتح الباب—
سمعت صوت وراها:
“سيادة الرائد…”
اتجمدت مكانها.
لفت ببطء—
راجل واقف في الضلمة، ملامحه مش واضحة.
“مين؟”
قرب خطوة… وصوته كان هادي بشكل مريب:
“في ناس مش عاجبها اللي بيحصل.”
ليلى ردت بثبات:
“قولهم يتعودوا.”
ابتسم ابتسامة باينة في نبرة صوته:
“المشكلة… إنهم مش بيحبوا يتعودوا.”
وساب حاجة صغيرة على الأرض… ولف ومشي.
ليلى فضلت واقفة لحظة…
وبعدين بصت للحاجة اللي سابها.
فلاش ميموري.
بعد ساعة—
كانت في مكتبها، النور خافت، والهدوء تقيل.
دخلت الفلاشة في اللابتوب.
ملف واحد بس.
اتفتح…
فيديو.
الصورة مهزوزة… كأنها متصورة خلسة.
مكان شبه مخزن…
وصوت بيتكلم—
“كل حاجة ماشية حسب الخطة… حازم مجرد واجهة.”
قلب ليلى وقف لحظة.
الصوت…
هي تعرفه.
قربت أكتر من الشاشة… وعينيها وسعت.
الشخص ظهر نص وشه في الكادر…
لكن ده كان كفاية.
همست:
“مستحيل…”
في اليوم اللي بعده—
ليلى دخلت أوضة طارق بسرعة غير معتادة.
طارق قلق:
“في إيه؟”
رمت اللابتوب قدامه وفتحت الفيديو.
طارق ركز… وكل ملامحه اتغيرت تدريجيًا.
“ده…”
ليلى كملت بصوت منخفض:
“مش بس حد كبير… ده حد فوق الكل.”
طارق بص لها:
“هتعملي إيه؟”
ليلى سكتت شوية…
وبعدين قالت:
“ولا حاجة.”
طارق اتفاجئ:
“إزاي يعني؟!”
قربت منه… وصوتها بقى أخطر من أي وقت فات:
“هنخليهم يفتكروا إننا وقفنا.”
عدّى أسبوع—
القض..ية رسميًا “هدأت”.
الإعلام سكت.
والتحقيقات بقت أبطأ.
لكن تحت السطح—
ليلى كانت بتتحرك.
لوحدها.
وفي ليلة—
وقفت قدام مبنى إداري ضخم… أضواءه كلها منوّرة.
بصت لفوق…
وعينيها مليانة تصميم.
“المرة دي… مش هتسيب حد يختفي.”
موبايلها رن.
ردت.
صوت طارق:
“أنا جاهز.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
“خليك فاكر وعدك.”
طارق رد بهدوء:
“المرة دي… سوا.”
ليلى خدت نفس عميق…
ودخلت.
يتبع…
الساعة كانت قرب نص الليل…
المبنى هادي بشكل مريب.
موظفين قليلين، حراسة شكلية، وكل حاجة باين عليها عادية…
لكن ليلى كانت عارفة—ده مكان مش عادي خالص.
خطواتها كانت ثابتة وهي داخلة.
في ودنها… سماعة صغيرة.
صوت طارق جالها بهدوء:
“الدور التالت… مكتب شمال الكوريدور. الكاميرات متقفلة دقيقتين بس.”
ليلى ردت وهي بتتحرك:
“كفاية.”
وصلت قدام الباب.
وقفت لحظة…
خدت نفس عميق…
وفتحته.
المكتب كان واسع، شيك… وإضاءته هادية.
ورجل قاعد ورا المكتب… كأنه مستنيها من بدري.
من غير ما يبص:
“اتأخرتي يا ليلى.”
ليلى قفلت الباب وراها… وقالت بهدوء:
“كنت متأكدة إنك هتبقى هنا.”
رفع عينه أخيرًا…
نفس الشخص اللي شافته في الفيديو.
ابتسم:
“كنتي دايمًا أذكى من اللازم.”
قربت خطوة:
“حازم كان لعبة… زي غيره.”
رد وهو بيشبك إيده:
“كلهم ألعاب… الفرق بس مين اللي بيعرف يلعب صح.”
ليلى طلعت الفلاش ميموري وحطتها على المكتب:
“اللعبة خلصت.”
بص لها… وبعدين ضحك بهدوء:
“انتي لسه فاهمة متأخر.”
فجأة—
صوت طارق في السماعة:
“دلوقتي.”
ليلى ابتسمت ابتسامة خفيفة…
وقالت:
“أنا عمري ما بلعب لوحدي.”
في نفس اللحظة—
باب المكتب اتفتح بعنف.
قوة من الداخلية دخلت… ضباط، أوامر، ارتباك.
الرجل وقف بسرعة:
“إيه الهبل ده؟!”
الظابط الكبير قال بحزم:
“حضرتك متهم في قض..ية غسيل أموال وتكوين شبكة فساد دولية.”
الصدمة كانت واضحة عليه… لأول مرة.
بص لليلى…
“انتي…”
ليلى ردت بثبات:
“نهاية اللعبة.”
بعد ساعات—
الشمس بدأت تطلع.
والخبر انتشر.
“سقوط أحد أكبر رموز الفساد في عملية سرية.”
شبكة كاملة… انتهت.
بعد أسبوعين—
ليلى كانت واقفة على كورنيش النيل.
الهوا خفيف… والمية بتمشي بهدوء عكس كل اللي حصل.
طارق وقف جنبها.
لسه بيتعافى… بس واقف.
قال وهو بيبص قدامه:
“خلصت.”
ليلى ردت بهدوء:
“آه… المرة دي بجد.”
سكتوا شوية…
وبعدين طارق قال:
“خايفة؟”
بصتله:
“من إيه؟”
ابتسم:
“من اللي جاي… من الحياة من غير حرب.”
فكرت لحظة…
وبعدين قالت:
“يمكن… بس مش لوحدي.”
طارق بص لها… نفس النظرة القديمة، بس أهدى.
“أنا وعدت.”
ليلى ابتسمت ابتسامة صادقة المرة دي:
“وأنا… قررت أصدق.”
مد إيده…
وترددت لحظة…
بس مسكتها.
الشمس كانت بتطلع…
وبداية يوم جديد بتتشكل قدامهم.
مش مثالي…
مش خالي من الندم…
بس حقيقي.
النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *