حكاية كاملة

في ليلة من الليالي، رجعت من الشغل متأخر ومهدود، تعبان وعندي بداية نزلة برد شديدة خلتني مش قادر أقف على رجلي. دخلت الأوضة لقيتها قاعدة قدام المراية، بتسرح شعرها بنفس الطريقة اللي كانت نور بتعملها زمان، بس من غير ريحة الورد، من غير الروح، ومن غير الدفا. قربت منها وقولت بضعف: “سارة.. أنا تعبان جداً، ممكن تعمليلي حاجة دافية وتساعديني أغير هدومي؟”
لفتلي ببرود ونظرة اشمئزاز قت/لتني مكانها، وقالت بنبرة جافة: “طارق، أنت عارف إن ورايا إيفنت الصبح مهم جداً ومش ناقصة عدوى عشان شكلي ميبوظش، نام على الكنبة في الصالون النهاردة واطلب دليفري أي حاجة تشربها”.
نزلت الكلمة زي المطرقة على دماغي. طلعت برة الأوضة وجريت على الصالون، قعدت في الضلمة وأنا بترجف من الحمى ومن القهرة. شريط حياتي مع نور مر قدام عيني كأنه بيتحاكم قدامي؛ افتكرت نور لما كنت أعطس بس، كانت تقلب الدنيا، تسهر طول الليل كمادات وشوربة ودموعها في عينها من خضتها عليا. نور اللي كانت شايلاني في عيونها ومكتفية بيا، وأنا دست على قلبها وطردتها عشان شوية شعر!
عدت شهور، وحياتي مع سارة اتحولت لخناقات متواصلة، الغرور اتبخر ومبقاش وراه غير الندم اللي بياكل في عظامي ليل نهار. لحد ما جه اليوم اللي قلب الموازين كلها وكسر ضهري بجد.
كنت معزوم في مؤتمر لرجال الأعمال في فندق كبير على النيل، واخدت سارة بالعافية عشان منظرنا قدام الناس. وإحنا واقفين وسط الناس بنمثل الابتسامة، دخل وفد من شركة تصميمات هندسية كبيرة أخدت رعاية الحدث. عيني راحت تلقائياً للمسرح لما نادوا اسم صاحبة التوكيل عشان تكرمها الإدارة.
“المهندسة.. نور المهدي”.
اتسمرت مكاني وكأن الكهربا مشيت في جسمي. الكاس كان هيقع من إيدي وأنا بشوفها طالعة المسرح.

كانت نور.. بس مش نور المكسورة اللي سبتها زمان. كانت آية في الجمال والوقار؛ لابسة فستان سواريه محتشم وواسع بمنتهى الشياكة، ولابسة حجاب حرير لافاه بأناقة ورقي ملوش مثيل، مبرز ملامح وشها الصافية وعيونها اللي بتلمع بنجاح وثقة وقوة عمري ما شوفتها فيها. الطرحة كانت على راسها زي التاج الملكي، عاطياها هيبة ونور حقيقي خطف أنفاس القاعة كلها، من غير ما تحتاج تثبت أي حاجة لأي حد. القاعة سكتت للحظة وبعدين انفجرت بتصفيق حاد ومستمر.
استلمت الجايزة، ونزلت وسط إعجاب وتهافت من كل رجال الأعمال عشان يسلموا عليها ويتمنوا يشتغلوا معاها.
وقفت زي المشلول، وسارة جنبي بتقول بغيرة وتوتر: “مين دي اللي واخدة الجو دي كلها؟!” مكنتش سامعها، سبتها ومشيت وسط الزحام كأني مسحور، ورجلي بتسحبني لنور غصب عني.
قربت منها، وقلبي بيدق في وداني زي الطبول. وقفت قدامها وصوتي طالع مخنوق ومكسور: “نـ.. نور؟”
لفتلي بهدوء شديد. نظرات عيونها كانت هادية وباردة زي تلج القطبين؛ مفيش فيها غضب، مفيش لوم، والأسوأ من كل ده.. مفيش فيها حتى نظرة عتاب! كانت بتبصلي كأنها بتبص لكرسي أو طفاية سجاير في الصالة.. كأني نكرة تماماً وشخص غريب ملوش وجود في ماضيها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة، باردة وراقية، وقالت بصوت هادي ورزين يقطع النفس: “أهلاً.. أستاذ طارق، مش كده؟ فرصة سعيدة، عن إذنك عشان متأخرة على لقاء صحفي”.
سابتني ومشيت بخطوات ثابتة وواثقة، وسابت ريحة عطرها اللي بتشبه ريحة الورد.. بس دي كانت ريحة وردة عاشت وازدهرت بعد ما الشوك اتشال من طريقها.
وقفت مكاني مسمر وسط الناس، ببص في الفراغ ودموعي نازلة لأول مرة في حياتي بقهرة عاجزة. بصيت لسارة اللي جاية تتخانق ورايا علشان سيبتها لوحدها وبصيت لنور وهي بتكبر وبتلمع بعيد.. وعرفت وقتها إن المرض الحقيقي مكنش في بصيلات شعر نور، المرض كان في قلبي وروحي التافهة اللي فضلت القشرة وخسرت الماسة اللي مش هتتعوض.
كنت راجل فاكر نفسه كامل، ورجعت البيت الليلة دي وأنا عارف ومتأكد.. إني مكنتش أكتر من راجل أعمى، رمى تاجه بإيده في التراب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *