حكاية كاملة

طول عمرى راجل بهتم بنفسى وليه شروط فى شريكه حياتى ، كنت عايز واحده جميله واهم شرط يكون شعرها طويل وحلو واحده يكون شعرها مغطي ضهرها ويفيض بنعومة تخطف الأنفاس.
لفيت لحد ما لقيت “نور”. أول ما شوفتها في مناسبة عائلية، مكنتش شايف ملامحها الرقيقة بس، أنا عيني اتعلقت بشعرها اللى بيميل معاها فى كل حركه  والغجري اللي كان نازل لحد خصرها كأنه شلال حرير. اتقدمت لها واتجوزنا في أقل من ست شهور.
كانت سنتنا الأولى زي الغيمة، نور كانت عاشقة لاهتمامي بتفاصيلها. كانت تقعد قدام التسريحة بالساعات تسرح شعرها بريحة الورد والزيوت، وأنا أقف وراها مبتسم، حاسس إني بملك الدنيا كلها والست اللي بتكمّل صورتي قدام معارفي وأصحابي. كنت بتباهى بيها في كل عزومة، والكل كان يتكلم عن جمالها واهتمامها اللي ملوش مثيل.
لكن الحلم بدأ يتصدع فجأة. في يوم، لقيت خصلة شعر كاملة واقعة على المخدة، افتكرتها في الأول إجهاد عادي. بعدها بأسبوعين، شفت فراغ صغير بحجم العملة المعدنية في فروة راسها من ورا. الموضوع اتطور بسرعة مرعبة؛ الفراغات زادت، وبقى شعرها يقع بخصل كاملة مع كل تسريحة. أخدتها وجريت على الدكاترة، لحد ما الدكتور نطق الكلمة اللي هزت كياني: “داء الثعلبة الشامل، المناعة بتهاجم بصيلات الشعر”.
من اللحظة دي، انقلبت حياتنا جحيم. الدكتور أكد إنه مرض مناعي غير معدي تماماً، بس عقلي الرافض مكنش بيسمع. بقيت أتهرب من لمسها، وأتضايق لو قعدت جمبي على الكنبة، وكل ما أشوف شعرها بيخف وتبان فروة راسها، أحس بنفور خانق مش قادر أسيطر عليه. بقيت أتحجج بالشغل عشان أبات برة الأوضة، وأرفض تماماً إنها تنزل معايا أي مشوار عائلي خوفاً من نظرات الشفقة والفضول.
نور كانت بتموت بالبطيء. نظرات الهروب في عيوني كانت بتدبحها أكتر من المرض نفسه، وانطفت روحها وبقت تقضي الساعات تبكي قدام المراية وهي شايفة تاجها بيضيع وجوزها بيهرب منها.
لحد ما جه يوم عقيقة ابن عمي، وكانت مناسبة عائلية كبيرة كل قرايبي حاضرين فيها. نور حاولت تجمع شتات نفسها، لبست توربان شيك جداً وحاولت تداري اللي حصل بكل طاقتها وابتسمت لي بكسرة: “أنا جاهزة يا طارق”.

بصيت لها بقرف وبرود قاسي: “مش هينفع تيجي معايا، شكلك كده هيفتح علينا أسئلة ملهاش لازمة”.
الكلمة نزلت عليها زي السم. بصت لي بدموع محبوسة وقالت بصوت بيرتجف: “يعني مكسوف مني قدام أهلك يا طارق؟ المرض ده مش بإيدي، هو أنا مبقتش أملى عينك خلاص؟”
وفقدت أعصابي وصرخت فيها: “أيوة! أنا متجوزتش واحدة عشان أداري فيها طول الوقت، أنا راجل بحب المظاهر المريحة وأنتي مبقتيش كده!”
سكتت نور فجأة، واتحولت دموعها لبرود غريب يقطع الأنفاس. قلعت التوربان بهدوء، وبصت لي بجمود وقالت: “طلقني يا طارق.. دلوقتي”.
الكلمة كانت بالنسبالي مهرب مثالي يخلّصني من الذنب. رديت فوراً وبدون تردد: “أنتي طالق”.
تاني يوم الصبح، لمّت كل حاجتها ومشيت في هدوء من غير ما تبص وراها حتى بصه واحدة. بعد ما قفلت الباب، حسيت بارتياح بارد؛ حسيت إني تخلصت من عبء تقيل ورجعت لحياتي الحرة والمثالية. ورجعت ادور على واحده تانيه يكون فيها مواصفاتى وفعلاً اقيتها واتجوزنا لكن اللى حصل بعد كده كانت المفاجأة اللى غيرت كل حاجه
لقيتها.. “سارة”. كانت نسخة طبق الأصل من الصورة اللي في خيالي؛ ملامح مرسومة بالمسطرة، وشعر كستنائي تقيل وناعم يغطي ضهرها ويفيض بأنوثة تخطف العين. مخدتش وقت، اتقدمت وكتبنا الكتاب وعملت لها فرح أسطوري، كنت داخل بيه القاعة وأنا رافع راسي، بفرّج الناس كلها على انتصاري، وإن طارق ميرضاش بغير القمة.
الأيام الأولى كانت كلها مظاهر واستعراض. كنت بشتريلها أغلى الفساتين وأعزم أصحابي في البيت عشان أسمع كلمة “يا بختك”، وأشوف نظرات الإعجاب اللي كانت بتغذي غروري المريض. لكن مع الوقت، بدأت القشرة اللامعة تتشقق، وبانت الحقيقة اللي كنت عامي عيني عنها؛ سارة كانت روح فارغة، شخصية باردة وأنانيتها تفوق الوصف. البيت بالنسبة لها كان مجرد استوديو تصوير، وأنا مكنتش أكتر من وسيلة تمويل لفسحها وطلباتها اللي مبتخلصش. مفيش كلمة دافية، مفيش اهتمام حقيقي، ومفيش غير تذمر مستمر لو نقص مليم من طلباتها.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *