بقلم ساندي احمد

الجزء الرابع
بعد يومين، سافرنا معاً لقريتي في الصعيد. وصلنا وقت الغروب، ولما شفت أهلي وأخي يوسف مستنينا على باب البيت الصغير، دمعت من الفرحة. زياد سلم على أبي وأخي بكل احترام ووقار، وسلم الشيك ليوسف بنفسه، وقال له
المبلغ ده حقك تعويضاً عن الظلم اللي تعرضت له، وفتح مشروعك الجديد. وإن شاء الله الأيام الجاية كلها خير عليك.
بقينا يومين في القرية، وشفت زياد وهو يساعد أهلي في الأرض، يتكلم مع الناس بكل تواضع، ويشرب الشاي معهم بكل بساطة. عرفت إنه غني بالمال، لكن أغنى ما فيه قلبه النقي وروحه الطيبة. في طريق العودة للقاهرة، سكت فترة طويلة، ثم قال فجأة
سارة.. الفترة اللي قضيتها معاكِ كانت أسعد فترة في حياتي الأخيرة. لمسة إيدك الدافئة، صوتك اللي بيوحيني بالأمان، وصدقك اللي ندر وجوده في الزمن ده.. كل ده خلاني أتمنى شيء.
قلبي خفق بسرعة، وحاولت أتجاهل الكلام
أنا سعيدة جداً إني قدرت أساعدك وأكون معاك في الفترة الصعبة دي. وأي مساعدة محتاجها في المستقبل، أنا جاهزة.
ضحك بخفة
أنا مش عايز مساعدة يا سارة.. أنا عايزك أنتِ. مش عشان تنوبي عن حد، ولا عشان تعملي معروف. عشانك أنتِ.. بكل بساطة وطيبة وقلبك الكبير. هل توافقين تكوني سيدة هذا
القصر وشريكة حياتي بكل إرادتكِ الحرة؟ بلا ټهديد، بلا إجبار، بلا أي شروط غير أننا نكمل الطريق مع بعض؟
بصيت له، ودموع الفرحة نزلت من عيني
يا سيدي.. أنا فتاة بسيطة من الصعيد، ومش عندي شيء أقدمه لك غير قلب صادق وحب خالص. لكن إن كنت تقبلني كما أنا، فأنا موافقة.. من كل قلبي.
مد لي يده بكل رقة
أنا ما شفتش في الدنيا أجمل ولا أنقى منكِ. وأنا أقبلكِ بكل ما فيكِ من بساطة وجمال. واسمي زياد.. من اليوم ده، ما تندعيني بسيدي أبداً. ادعيني زياد فقط.. زوجكِ وصديقكِ ورفيق دربكِ للأبد.
الجزء الخامس
مرت الأشهر التالية كأحلام جميلة تتحقق. جهزنا القاعة ببساطة، ودعونا الأهل والأحباب من الجانبين. لم يكن هناك برقع ولا نقاب ولا خدعة، فقط أنا بفستاني الأبيض البسيط، وزياد ببدلته، وقدام الجميع أعلنا زواجنا بكل حرية ورضا. قال في خطبته
كثيرون يحبونك لما تكون تمتلك كل شيء.. وقليلون جداً من يبقون معك حين تفقد كل شيء. سارة لم تأتِ لي بمال ولا جاه.. أتتني بقلبها النقي حين كنت الجميع يظنني على وشك المۏت. وهي أغلى وأثمن ما رزقني الله في حياتي.
سكننا معاً القصر، لكننا غيّرنا كثيراً من تفاصيله. فتحنا أبوابه للناس الطيبين، وأنشأنا فيه مشاغل تدريب للفتيات، ومطبخاً خيرياً يطعم المحتاجين. زياد علمني إنه بالمال تنشئ مباني، لكن بالحب والصدق تبني بيوتاً حقيقية. وأنا علمته إن السعادة مش في الكبر والفخامة، بل في الرضا والقناعة والقرب من الله ومن الناس الطيبين.
بعد سنة رزقنا بطفلة جميلة سميناها أمل. كانت فرحة حقيقية تملأ حياتنا بالضحك والدفء. أخي يوسف أسس مشروعه الصغير ونجح فيه، وتزوج من فتاة طيبة، وأصبح لدينا عائلة متماسكة ومحبة. مدام هالة حاولت أكثر من مرة ترسل لنا رسائل اعتذار، لكن زياد كان حازماً العفو جميل، لكن العودة لمن خان الثقة ليست حكيمة. بقينا على مسافة آمنة، نعفو ولا ننسى الدرس.
وذات مساء، وأنا أجلس بجانب زياد في حديقة القصر، قلت له بابتسامة
تعرف.. أحياناً المصېبة بتكون هي السبب في أعظم نعمة في حياتنا. لولا الحاډثة ولولا الخدعة دي، ما كنا تقابلنا أبداً.
ضمّني إليه وقبل جبيني
الله يرتب الأقدار يا حبيبتي. هو اللي خلاكِ تمشي في الطريق ده، وأنا اللي كنت مستنيكِ. وما كان للشړ أن ينتصر حين يكون الخير صادقاً وقوياً كقلبك.