ربيت بناتي التلاته

كانت عقارب الساعة في صالة بيتنا القديم تقترب من منتصف الليل، والهدوء الذي حلّ فجأة بعد صخب الحفل لم يمنحني الراحة التي كنت أنتظرها، بل جلب معه ثقلاً غامضاً أنخ بي في المطبخ وأنا ألملم بقايا الكعك وأغسل الأطباق بآلية أتقنتها على مدار أربعة عشر عاماً، متأملاً أصابعي التي خشنّت من شيفتات العمل المزدوجة في مصنع الحديد والصلب، تلك الأصابعي نفسها التي تعلمت، ببالغ الصبر والوجل، كيف تضفر شعر ثلاث فتيات صغيرات كل صباح وتضع لهن شرائط ملونة تتناسب مع فساتينهن، فمنذ ذلك اليوم الخريفي الأسود الذي رحلت فيه زوجتي هيام والبنات لم يتجاوزن السنتين من عمرهن، تحولت حياتي إلى محراب مقدس غايته الوحيدة حماية نور وشهد ورائد من برد اليتم وعقدة النقص، ولقد دفعت في سبيل ذلك شبابي وصحتي وراحتي دون ذرة ندم واحدة، مقتنعاً بالرواية الرسمية التي سطرها تقرير الشرطة البارد في ذلك الحين، والتي حفظتها الفتيات غيباً عن ظهر قلب من كثرة ما رددتها عليهن كلما سألن بنبرة طفولية باكية عن سبب غياب الطيف الأمومي أمكن الكريمة فقدت السيطرة على عجلة القيادة خلال عاصفة مطرية هوجاء على الطريق السريع، وانزلقت السيارة في منحدر صخري عميق لتفارق الحياة فوراً، ولأن الحزن كان يفوق قدرتي على الاحتمال، فقد جمعت كل مقتنياتها، ملابسها، عطرها المفضّل، رسائلنا القديمة، وصورها النادرة، ووضعتها في صندوق معدني قديم أحكمت قفله ورفعته إلى الغرفة المهجورة فوق السطح، ليكون بمثابة مقپرة لۏجعي الخاص، بعيداً عن أعين الصغيرات الفضولية، حتى لا يكبرن وظل المأساة يلاحقهن.
لكن ليلة عيد ميلادهن السادس عشر كانت الحد الفاصل بين زمن الطمأنينة المزيفة وزمن الزلزال، فبينما كنت أغرق في بحر من الذكريات متمنياً لو أن هيام كانت هنا لترى كيف أصبحت الفتيات يافعات يسررن الناظرين، سمعت وقع خطوات بطيئة ومترددة تقترب من باب المطبخ، والتفتُّ بابتسامة متعبة سرعان ما تلاشت وتجمدت على شفتي وأنا أرى ابنتي نور تقف شاحبة الوجه كأنها خرجت للتو من قبر، وكانت يداها المرتجفتان تحضان الصندوق المعدني القديم الذي لم يلمسه إنسان منذ عقد ونصف، وكان قفله النحاسي مكسوراً پعنف وتظهر عليه خدوش واضحة بآلة حادة، وفي يدها الأخرى كانت تمسك بظرف ورقي أبيض سميك، فسألتها بنبرة تائهة تحاول استنكار المشهد إيه اللي جاب الصندوق ده هنا يا نور؟ ومين اللي عمل في قفله كده؟، لم تجبني بكلمة، بل خطت خطوات وئيدة نحو الرخامة ووضعت الصندوق بجفاوة، ثم زقّت الظرف الأبيض باتجاهي، وعندما وقعت عيناي على الكلمات المكتوبة على الواجهة، شعرت ببرودة تسري في عمودني الفقري وشلل يضرب أطرافي، فالخط الذي كُتب به اسمي وعنواني كان خطاً لا أخطئه أبداً، إنه خط هيام بتموجاته المميزة وحرف الياء المقوس بطريقتها الفريدة، رفعت نور عينيها التي أغرقتها الدموع ونظرت في عمق روحي قائلة بصوت تهجأ الحروف بصعوبة بالغة الظرف ده وصل النهارده بالبريد يا بابا… إنت طول عمرك بتقول إن أمنا ماټت من 14 سنة… لكن الظرف ده متبعت بختم البوسة يوم التلات اللي فات، وفي تلك اللحظة سقطت الأرض من تحت قدمي، وتلاشت تضحيات السنين أمام لغز امرأة ماټت في السجلات وعاشت في الخفاء لترسل لنا دليلاً على كڈبة عشنا فيها أربعة عشر عاماً كاملة.
تناولت الظرف وإنسانيتي تتمزق بين الرغبة في تمزيقه وإنكار وجوده وبين الشغف القاټل لمعرفة الحقيقة، وكانت شهد ورائد قد دخلتا المطبخ خلف أختهما بوجوه مذهولة وعيون

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *