الحوت وعشق الهانم

فريدة حست إن الكلمة نزلت عليها زي جردل مية تلج، وبطنها اللي كانت بتتحرك تحت إيد زين فجأة اتشنجت، كأن البنت اللي جوة حست بضربات قلب أمها اللي بقت تلطش زي بندول ساعة خربان. زين مكنش مجرد راجل غضبان، الراجل ده لما بيتحول، ملامحه الحادة اللي شبه الصقر بتتحول لكتلة من الصوان، عينيه السودا اللي كانت دايماً بتبص لها بحنية زمان، دلوقتي طالع منها شرار يقيد في المكان كله.
هي كانت واقفة، ضهرها للمكتب الفخم المصنوع من خشب الأبنوس، والورق في إيدها اتعجن من كتر ما كانت كابسة عليه بصوابعها اللي بيضت من كثرة الضغط. زين مقلش إيده من على بطنها، بالعكس، ضغط حتة صغيرة زيادة، كأنه بيثبت لنفسه إنها مش سراب، وإن العشر شهور اللي عاشهم في جحيم الشك والوحدة مكنوش نهاية العالم، بل بداية لقصة تانية خالص هو مكنش عامل حسابها.
فريدة زقت إيده بحدة وهي بتنهج:
— ابعد إيدك دي عني يا زين! إنت فاكر نفسك مين عشان تقرر أنا هعيش فين ولا هروح فين؟ أنا مش هرجع للبيت ده تاني لو على رقبتي!
زين ملمش إيده بسرعة، سابها تقع في جنبه ببطء شديد، وخد نفس طويل وكاتم، وطلع صوت غليظ من صدره هز الحيطان:
— البيت اللي بتتكلمي عنه ده يا فريدة، هو المكان الوحيد في المحروسة كلها اللي هيحميكي ويحمي بنتي. إنتي شايفة الصورة دي؟ شايفة الكلام المكتوب؟ دول مش بيلعبوا. دول ناس مستنيين اللحظة اللي تظهري فيها عشان يكسروني بيكي. وأنا ميتكسرش طالعي تاني.
— بلاش نغمة الأنانية دي!
فريدة صرخت، ودموعها اللي كانت حبساها طول المقابلة بدأت تنزل، دموع سخنة حرقت خدودها:
— إنت دايماً بتفكر في نفسك! في هيبتك! في اسم الشافعي اللي ميتكسرش! طب وأنا؟ أنا اللي هربت بجلدي وعشت عشر شهور في أوضة مترين في مترين بطنطا، باكل عيش وجبنة وبسمع طقطقة الخشب بالليل وبموت من الرعب إن حد يخبط على بابي ويقولي “جوزك بيمسي عليكي بسكينة”؟ إنت متعرفش أنا شوفت إيه! أنا سمعت رجالتك.. رجالتك اللي بتاكل من خيرك، وهم واقفين ورا الباب بيقولوا إنهم هيقطعوني حتت ويرموها لك في كرتونة عشان يهدوا إمبراطوريتك!
زين ملامحه اتصلبت أكتر، وعضلات فكه برزت بشكل يخوف. خطوة واحدة واسعة منه، وبقى لازق فيها، لدرجة إنها حست بحرارة جسمه وأنفاسه المكتومة. نزل لمستوى عينيها وقال بنبرة هادية بس تخوف أكتر من الزعيق:
— ورجالتي دول.. مين فيهم اللي قال كدة يا فريدة؟ انطقي اسم واحد!
— معرفش!
هزت راسها بانهيار:
— الدنيا كانت ضلمة، والصوت كان واطي، بس كانوا ثقة في كلامهم.. كانوا عارفين كل تحركاتك. أنا ساعتها ملقتش قدامي غير إني أجري. مكنتش هقعد لما أكون كارت في لعبة قمار بينك وبين أعدائك!
زين غمض عينيه لثواني، وكأنه بيستجمع شتات نفسه، أو بيحاول ميهدش المكتب على اللي فيه من الغضب. لما فتحهم، كانت النظرة اللي فيهم مختلفة.. نظرة راجل أدرك إن القلعة اللي بناها عشان تحميهم، هي نفسها اللي كانت هتخنقهم.
— خلاص.. الكلام ده فات وقته. دلوقتي الحساب اتفتح من جديد.
زين لف وضهره ليها، ومسك تليفونه الداخلي، وضغط على زرار، وقال بلهجة آمرة وقاطعة:
— مصطفى.. هات العربية عند الباب الخلفي للشركة، وخلّي أربعة من الرجالة الكبار يركبوا في عربية الحراسة التانية. ومحدش في الشركة يعرف الهانم خارجة من أنهي باب.. فاهم؟
فريدة حست بالخطر بيقرب منها زي حلقة بتضيق. حركت رجليها عشان تمشي ناحية الباب، بس زين لمحها من مراية المكتب الكبيرة. في ثانية كان وراها، مسك دراعها براحة بس بقوة تمنعها من الحركة:
— مش هتمشي من هنا غير معايا.
— والطلاق؟ والورق اللي في إيدي ده؟
رفعت الورق في وشه وهي بتترعش.
زين خد الورق من إيدها ببطء، وبص فيه نظرة سريعة، وفي حركة فاجأتها، قطعه نصين، وبعدين أربعة، ورماه في باسكيت الزبالة اللي جنب المكتب:
— ورقك ده يبلوه ويشربوا ميته في المحكمة. القاضي قال تلاتين يوم صلح؟ تمام.. التلاتين يوم دول هتقضيهم تحت عيني. وفي ليلتها، لو ثبت إن مفيش خطر عليكي، ولو لسه عايزة تغوري من وشي.. أنا اللي هطلقك بإيدي يا فريدة. بس لحد ما الشهر ده يخلص.. إنتي وبنتي ملكي.. وتحت حمايتي.
العربية المرسيدس السودا المصفحة كانت مستنية عند المخرج السري للجراج السفلي للشركة. المكان كان ضلمة وهادي، ريحة العوادم والأسفلت كاتمة النَفَس. فريدة كانت ماشية جنب زين، وهو حاطط إيده ورا ضهرها من غير ما يلمسها، بس كان عامل زي السد العالي اللي حاجب عنها أي خطورة محتملة. مصطفى، الراجل الدراع اليمين لزين، كان واقف ماسك الباب، وعينيه بتلف المكان زي الرادار، ملامحه كانت جادة ومفيش عليها أي تعبير، بس أول ما شاف فريدة وبطنها، عينيه وسعت للحظة من الصدمة، بس بسرعة رجع لجموده وقفل الباب وراهم أول ما ركبوا.
العربية جرت في شوارع القاهرة بسرعة هادية بس منتظمة، ووراها عربية جيب سودة تانية فيها الحراسة. فريدة كانت باصة من الشباك، بتراقب الشوارع، المحلات اللي منورة، الناس اللي ماشية على الرصيف بتضحك وتتكلم، وحست إنها في عالم تاني خالص غير عالمهم. عالمها هي عبارة عن خوف ممتد، وهروب، وبطن بتكبر كل يوم وهي مش عارفة بنتها دي هتشوف النور فين ولا إزاي.
زين كان قاعد جنبها، حاطط دراعه على مسند الكرسي، وعينيه منزلتش من عليها. الصمت اللي في العربية كان أتقل من جبال المقطم.
بعد حوالي نص ساعة، العربية دخلت من البوابة الحديدية الضخمة للفيلا في التجمع الخامس. المكان مغيرش كتير، الشجر العالي اللي بيحاوط السور، ريحة الياسمين البلدي اللي مالية الجنينة، والإضاءة الهادية اللي منورة الواجهة الرخام. بس بالنسبة لفريدة، المكان ده كان شبه القفص الذهبي اللي هربت منه.
أول ما العربية وقفت، زين نزل ولف وفتح لها الباب بنفسه، ومد إيده ليها:
— انزلي يا فريدة.. وصلنا بيتك.
فريدة بصت لإيده ومسكتهاش، نزلت لوحدها بصعوبة وهي ساندة على الباب، وقالت بنبرة جافة:
— ده بيتك إنت.. أنا هنا ضيفة مجبرة لحد ما الشهر يخلص.
دخلوا الصالون الكبير، الشغالة القديمة “أم أحمد” أول ما شافت فريدة، شهقت وحطت إيدها على بوقها، والدموع نزلت من عينيها:
— يا ألف نهار أبيض! ست فريدة! حمد الله على سلامتك يا بنتي.. يا حبيبتي كل الغيبة دي؟ وإيه ده؟ ما شاء الله.. الله أكبر!
فريدة ابتسمت ابتسامة باهتة وسلمت عليها:
— الله يسلمك يا أم أحمد.. معلش جهزيلي الأوضة اللي في الدور الأرضي، مش هقدر أطلع سلم.
زين قاطعها بصوت حازم:
— لأ.. أوضتنا فوق جاهزة ومفتوحة. أم أحمد، اطلعي جهزي العشا للست فريدة وهاتيه على فوق.
فريدة لفت له وعينيها بتطق شرار:
— أنا مش هقعد معاك في أوضة واحدة يا زين! إنت نسيت إحنا في إيه؟ إحنا مطلقين فعلياً، وباقي الإجراءات بس!
زين قرب منها لغاية ما بقى بينهم سنتيمترات، وبص في عينيها بقسوة ممزوجة بوجع داراه بسرعة:
— في بيتي، أنا اللي بحدد مين ينام فين. والأوضة اللي فوق هي أأمن مكان في الفيلا، الشبابيك بتاعتها مصفحة وضد الرصاص، وفيها خط تليفون مباشر مبيفصلش. إنتي مش هنا عشان تتفسحي يا فريدة.. إنتي هنا عشان حياتك وحياة البنت دي في خطر. اطلعي فوق من سكات بدل ما أشيلك وأطلعك أنا.
فريدة عرفت إن العناد مع زين في اللحظة دي ملوش فايدة، الراجل جواه بركان وبيمسك نفسه بالعافية. لفت وشها وطلعت السلم ببطء، وكل خطوة كانت بتحس فيها بوزن بطنها ووزن الهم اللي فوق كتافها.
الأوضة كانت زي ما سابتها من عشر شهور. نفس ريحة البرفيوم بتاعه المخلوطة بالعود، نفس الألوان الترابية الهادية، حتى صورتهم الكبيرة اللي يوم الفرح كانت لسه ممسوحة ومتعلقة فوق السرير. فريدة قعدت على طرف السرير الكبير، وحطت إيدها على وشها وبدأت تعيط بحرقة. كل الذكريات هجمت عليها مرة واحدة.. حبهم اللي بدأ في الجامعة، جوازهم السريع رغم رفض أهلها في الأول بسبب غموض شغل عيلته، وبعدين الحقيقة المرة اللي اكتشفتها بالتدريج.. إن جوزها مش مجرد رجل أعمال، ده راجل كلمته بتمشي على الكبير والصغير، والكل بيخاف من غضبه.
الباب انفتح ببطء، وزين دخل. كان قلع الجاكيت وشمّر كمام قميصه الأبيض، وفي إيده صينية عليها أكل دافي وشوربة خضار. حط الصينية على الكومودينو وقعد على الكرسي المقابل للسرير، وفضل يبص لها وهي بتعيط.
— كلي عشان البنت.
قالها بصوت هادي، مفيش فيه القسوة بتاعة من شوية.
— مش عايزة آكل.. مش طايقة نفسي.
ردت وهي بتمسح دموعها بظهر إيدها زي الأطفال.
زين قام وقعد جنبها على السرير، المسافة بينهم كانت قريبة لدرجة إنها سامعة دقات قلبه. مسك المعلقة وحط فيها شوية شوربة وقربها من بوقها:
— قولتلك كلي.. إنتي بقالك عشر شهور بتاكلي لقمة ناشفة وتنامي خايفة. البنت دي ذنبها إيه تطلع ضعيفة؟ كلي يا فريدة ومن غير كلام كتير.
فريدة بصت في عينيه، لقت فيهم حنان قديم قوي هي وحشها، بس الخوف والشك كانوا أقوى. خدت منه المعلقة وأكلت من سكات. بعد ما خلصت كام معلقة، سابت المعلقة وقالت بصوت واطي:
— إنت اللي بعت الرجالة ورايا يا زين؟ إنت اللي كنت بتراقبني طول العشر شهور دول؟
زين رجع ضهره لورا وهز راسه بالنفي:
— لو كنت عارف مكانك يا فريدة، مكنتش هسيبك ليلة واحدة برا البيت ده. أنا قلبت عليكي مصر حتة حتة، من إسكندرية لأسوان. رجالتي مكنش وراهم شغلانة غير إنهم يدوروا على فريدة. لدرجة إني شكيت إنك سافرتي برا البلد. مكنتش أتخيل أبدًا إنك مستخبية في طنطا، وفي شقة إيجار قديم! إنتي.. بنت الحسب والنسب.. تعيشي العيشة دي؟ ليه مأمنتيش فيا؟ ليه مجيتيش قولتلي أنا سمعت كذا وكذا؟
— أجيلك إزاي؟
صوتها علي تاني:
— أجيلك وأنا شاكة إنك ممكن تكون إنت نفسك اللي بايعني؟ إنت شغلكم مفيش فيه أمان يا زين. إنتوا بتقتلوا وتموتوا عشان الفلوس والسلطة. أنا كنت خايفة على نفسي، ولما عرفت إني حامل، خوفي ا تضاعف مليون مرة. مكنتش عايزة بنتي تتولد وسط السلاح والدم والهمس اللي في الضلمة.
زين وقف فجأة، وعينيه بقت شبه الليل:
— أنا عمري ما مديت إيدي على حد ملوش ذنب، وعمري ما تاجرت في دم. شغلي كله في النور، والمقاولات والشركات دي حقيقية ومش ستار لحد. أعدائي اه في الكار القديم بتاع عيلتي بيحاولوا يجرجروني، بس أنا عمري ما سمحت لحد يمس شعرة منك. الخاين اللي اتكلم في مكتبي زمان.. أنا عرفته.
فريدة برقت عينيها:
— عرفته؟ مين؟
زين بصلها بجمود مريب:
— مصطفى.
الدنيا اسودت في عين فريدة. مصطفى؟ الدراع اليمين لزين؟ الراجل اللي لسه من شوية فاتح لهم باب العربية وساق بيهم لحد هنا؟ الراجل اللي يعرف كل أسرار الشافعي وكل مداخل ومخارج بيته وشغله؟
— مصطفى؟
همست برعب:
— وإنت سايبه شغال معاك؟ وراكب معانا العربية؟ إنت مجنون يا زين؟
زين ابتسم ابتسامة باردة تخوف، وقرب من الشباك وبص على الجنينة برا:
— الصيد الثمين مبيتمسكش وهو صاحي يا فريدة. مصطفى فاكر إني معرفش حاجة، وفاكر إن اختفاءك زمان كان بسبب خناقة عادية بينا. هو اللي بعت الصورة دي الصبح تليفوني من رقم مجهول عشان يخليني أتحرك وأجيبك هنا، عشان اللعبة الكبيرة تبدأ. هو شغال مع “الغول”.. الراجل بتاع التهريب اللي في سينا اللي حاولت أقطع عليه المية والنور من سنة. الغول عايز راسي، ومصطفى هو العين اللي جوة بيتي.
فريدة قامت وقفت، وحست بركبها مش شايلاها:
— يعني أنا وبنتي هنا.. في نص المصيدة؟ إحنا الطعم اللي إنت حاطه عشان تصطاد بيه مصطفى والغول؟
زين لف لها بسرعة، وبانت في عينيه نظرة غضب حقيقي، مسك كتافها بـ إيديه الاتنين وضغط براحة:
— عمري! عمري ما أضحي بيكي ولا بنتي عشان أي كلب في الدنيا! إنتي هنا عشان ده المكان الوحيد اللي تحت حراسة رجالة أنا واثق فيهم بنسبة مية في المية، رجالة من صلب الشافعي مبيخونوش. مصطفى فاكر نفسه ذكي، بس هو محاصر. كل خطوة بيخطوها متراقبة، والتليفون اللي بعت منه الصورة.. أنا حددت مكانه وشوفته وهو بيبعتها بنفسه من كاميرا المراقبة اللي قدام المحكمة. أنا سايبه يتحرك عشان يوصلني للراس الكبيرة.. للغول نفسه. ومن هنا لحد ما ده يحصل.. مفيش مخلوق هيقدر يمس شعرة منك.
في اللحظة دي، النور قطع في الفيلا كلها فجأة.
الضلمة كانت كحل، ومفيش غير ضوء القمر الباهت اللي داخل من ورا الستائر الثقيلة. فريدة صرخت بهمس ومسكت في قميص زين بكل قوتها، وجسمها كله كان بيترعش.
زين في ثانية سحب طبنجته من ورا ضهره، وأخد فريدة ورا ضهره وضهرها للحيطة الأمان اللي جنب السرير، وقال بصوت واطي جداً ومليان تحذير:
— متتحركيش من مكانك.. ولا نفس يا فريدة.
سمعوا برا في الممر صوت خطوات منتظمة.. خفيفة بس مسموعة، وصوت تعمير سلاح كاتم للصوت.
زين طلع تليفونه وبص في الشاشة، لقى شبكة التليفون ممسوحة تماماً.. في جهاز تشويش شغال في المحيط. الخطة بدأت، واللعب مبقاش في الضلمة بس.. اللعب بقى على المكشوف، والضربة المرة دي في قلب البيت.
زين بص لفريدة في الضلمة، ولمس وشها بإيده التانية اللي مش ماسكة السلاح، وهمس لها:
— ثقي فيا المرة دي بس يا فريدة.. أنا هنهي الكابوس ده النهاردة وللأبد.
صوت مقبض الباب بتاع الأوضة بدأ يتحرك ببطء شديد من برا، وفريدة كتمت نفسها وإيدها على بطنها، والدموع نازلة من عينيها وهي شايفة خيال الراجل اللي ورا الباب بيجهز عشان يقتحم الأوضة..الخيال اللي ورا الباب بدأ يثبت، وحركة المقبض وقفت فجأة. زين كان واقف زي الأسد اللي مستني فريسته، عضلاته كلها مشدودة، وعينيه متثبتة على الفتحة الصغيرة اللي تحت الباب. فريدة كانت حاطة إيدها على بوقها عشان كتم أنفاسها، وبتدعي في سرها إن اللحظة دي تعدي على خير، البنت في بطنها بدأت ترفس برعب، كأنها حاسة بالخطر اللي محاوطهم من كل اتجاه.
فجأة، الباب اضرب برجل قوية واتفتح على الآخر، ودخل خيال راجل طويل ومقنع، وفي إيده سلاح بكاتم صوت.
قبل ما الراجل يرفع سلاحه، زين كان أسرع منه بمليون مرة؛ هجم عليه زي الفهد، مسك إيده اللي فيها السلاح ووجّه اللفتة لفوق، وطلعت طلقة كتمت صوتها الستارة الثقيلة اللي جنب الشباك. زين ضربه بدماغه في وشه ضربة قوية خلت الراجل يترنح لورا، وبسرعة البرق زين نزله الأرض، وثبت ركبته على صدره، وشال القناع من على وشه.
النور جيه في اللحظة دي فجأة، وعمّ الضوء الأوضة كلها.
فريدة شهقت وراجعت لورا لغاية ما لزقت في الحيطة لما شافت الوش.. مكنش مصطفى! كان واحد من الحراس الصغيرين اللي لسه متعينين في الفيلا من كام شهر، ووشه كان غرقان دم.
زين ضغط بمسدسه على رقبة الراجل وقال بنبرة صوت فحيح أفعى:
— فين مصطفى يا روح أمك؟ وانطق بدل ما أفرغ الخزنة دي في دماغك حالا!
الواد وهو بيموت من الرعب وبيترعش قال بصوت مقطوع:
— مصطفى.. مصطفى هرب يا باشا.. أول ما النور قطع.. هو اللي فتح لنا البوابة الخلفية ودخلنا.. وقالنا الهانم لازم تموت وزين يتكسر.. الغول مستنيه على أول طريق السويس..
زين ملامحه اتغيرت وبقت مرعبة، ضرب الواد بظهر الطبنجة على دماغه غماه، وقام وقف بسرعة ولف لفريدة اللي كانت منهارة وبتترعش:
— فريدة.. إنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟
فريدة وهي بتعيط وهتنجن:
— مصطفى هرب؟ والغول مستنيه؟ يا زين إحنا بنموت! إحنا مش في أمان هنا!
زين قرب منها ومسك وشها بين إيديه الاتنين، وبص في عينيها بكل القوة والحمية اللي في الدنيا:
— طول ما أنا بتنفس.. مفيش مخلوق هيلمسكم. مصطفى فاكر إنه هرب، بس هو رايح لقضاه برجليه. أنا كنت مستني اللحظة دي من زمان.
في اللحظة دي، تليفون زين رن.. الخط رجع والنظام اشتغل تاني. زين فتح السبيكر، وجيه صوت مصطفى وهو بيضحك ضحكة خبيثة ومستفزة من الناحية التانية:
— منور يا زين باشا.. هارد لك في المحاولة الأولى.. بس متقلقش، اللعبة لسه طويلة، والغول بيسلم عليك وبيقولك.. فريدة وبنتك مش هيشوفوا النور، وطريق السويس طويل قوي.. لو راجل حصلني!
زين ملامحه هديت فجأة، والهدوء ده كان يخوف أكتر من الغضب، ورد بصوت ثابث زي الصخر:
— أنا مش هحصلك يا مصطفى.. أنا واقف مستنيك.. وإنت اللي هترجعلي راكع.. لأنك غبي.. ونسيت أنا مين.
زين قفل السكة، وبص لفريدة وعينيه فيها نظرة تحدي مرعبة تخلي القارئ يحبس أنفاسه، وقالها:
— اجهزي يا فريدة.. الليلة دي مصر كلها هتعرف مين هو زين الشافعي.. واللعب الجد لسه هيبدأ حالا والدم هيركب للركب!زين محطش وقت، مسك التليفون وطلب رقم واحد بس، وجاء له صوت حازم وقاطع: “كله تمام يا باشا، تراك الجي بي إس شغال، والعربية المرصودة مكمورة في الكيلو 45 طريق السويس”.
زين قفل السكة وبص لفريدة اللي كانت سانده على الكومودينو، وإيدها مابتسيبش بطنها. قرب منها وضغط على كتافها بحنية ممزوجة بقسوة الموقف:
— فريدة، أم أحمد والرجالة الكبار برة هيقفلوا الأوضة دي عليكي. متهوبيش ناحية الباب ولا الشباك، أنا ساعتين بالظبط وهكون هنا.. وبنتي في حضني وهي مأمنة.
فريدة مسكت في قميصه من عند صدره، ودموعها نزلت غصب عنها:
— متسبنيش يا زين.. أنا خايفة عليك. الخوف مش منهم، الخوف من إنك تضيع مني تاني بعد ما رجعت.
زين باس راسها بقوة، وفك إيدها بالراحة وهو بيبص في عينيها بثقة تهد جبال:
— الشافعي مبيضيعش يا بنت قلبي.. الشافعي بيرجع حقه بسنانه.
خرج زين وقفل الباب وراه بالمفتاح، وسمعت فريدة صوت حراسة مشددة بتترص برة الممر. وفي ثواني، كانت عربيات الدفع الرباعي بتاعة زين بتتحرك من الجنينة وتكسر صمت ليل التجمع بصرير كاواتشاتها المرعب.
على طريق السويس الصحراوي، الإضاءة كانت شبه منعدمة، والجو هواه حاد وساقع. في حتة مقطوعة ورا تبة رملية عالية، كانت واقفة عربية جيب شيروكي، وجنبها مصطفى واقف بيفرك في إيده وبيقدم رجل ويأخر رجل، وقدامه راجل عجوز بجلابية صعابي وشال أسود، وضهره محني سنة بس عينيه زي الصقر.. “الغول”.
مصطفى بتوتر:
— يا غول بيه، زين مكنش لوحده، والولد اللي بعتناه جوة الفيلا شكله انمسك. النور رجع بسرعة والخطوط فتحت، زين مش هيسكت.
الغول تف على الأرض ببرود وطلع سيجارة وولعها، وفي لحظة، وبدون أي مقدمات، النور العالي بتاع أربع عربيات نقل ضخمة “تريلات” ضرب في وشهم مرة واحدة، وظهرت وراهم عربيات زين وهي بتقفل الطريق من كل حتة ومحاصراهم زي الكماشة.
مصطفى ركبه سابت ورفع إيده:
— جيه.. زين جيه يا باشا!
باب العربية المرسيدس المصفحة انفتح، ونزل منه زين الشافعي بقميصه الأبيض وجاكيته الأسود اللي سايبه مفتوح، وفي إيده الاتنين سلاح آلي خفيف. مشي خطوات ثابتة والتراب بيعفر تحت رجليه، لغاية ما وقف على بعد أمتار منهم. رجالة زين نزلوا في ثانية وولعوا كشافات ليزر حمراء ثبتت كلها على صدر مصطفى والغول.
الغول بضحكة شريرة مفيهاش سنان:
— منور يا ابن الشافعي.. كبرت وبقيت تقف قصادي وتقفل طرقي؟
زين ببرود قاتل وعين م بترمشش:
— أنا مكبرتش عليك يا غول.. أنا اللي كبرتك وسبتك تاكل عيش لما كنت برمي لك الفتافيت. بس إنك تمد إيدك جوة بيتي، وتلعب بمراتي وبنتي.. يبقى إنت اللي استعجلت على قبرك.
مصطفى حاول يتكلم ويبوس لقمة عيشه:
— يا زين باشا أنا..
زين من غير ما يبص له، ضغط على الزناد. طلقة واحدة وجت في رجله، وقع مصطفى يصرخ على الأسفلت والدم سايح حواليه. زين وجه نظراته للغول اللي ملامحه اتصلبت:
— الحساب معاك إنت مش مع الجرو ده. إنت فاكر إنك باعتلي صورة فريدة من المحكمة عشان تشتتني؟ أنا اللي خليت فريدة تظهر في المحكمة النهاردة يا غول.. أنا اللي حركت القضية القديمة عشان أخليها تروح هناك بنفسها وتظهر في النور، لأني كنت عارف إنك مراقبها من يوم ما هربت لطنطا وكنت سايبك عايش في الوهم إنك سايق اللعبة!
الغول عينيه وسعت من الصدمة وفهم إنه هو اللي كان الطعم في مصيدة زين من البداية.
زين قرب منه خطوة، ونزل السلاح في جنبه وقال بنبرة هزت الصحراء:
— فريدة وبنتي خط أحمر.. واللي يتعداه يتأكل صاحي. الليلة دي، اسم الغول هيتمحي من السجلات ومن الدنيا كلها.
وفي نفس اللحظة دي، في الفيلا في التجمع..
فريدة كانت قاعدة على السرير، والنور قطع تاني فجأة!
حطت إيدها على بطنها وهي بتترعش، وسمعت صوت حاجة تقيلة بتتجر في البلكونة اللي ورا السرير، وصوت إزاز بيتكسر ميت حتة بالراحة.. وفي وسط الضلمة الكحل، ظهر خيال ضخم واقف في فتحة البلكونة، وفي إيده جهاز لاسلكي بيوش، وجاء منه صوت واطي ومرعب: “الهدف قدامي يا باشا.. أخلص؟”
فريدة كتمت صرختها والبنت جوة بطنها ركلت ركلة عنيفة.. كأنها بتودع الدنيا قبل ما تشوفها!الخيال الضخم خطى خطوة جوة الأوضة، وفريدة حست إن قلبها هيقف، والوقت اتجمد. وفي اللحظة اللي الراجل رفع فيها سلاحه عشان يوجهه ناحيتها، انفتح باب الأوضة الحديدي بضجة هزت المكان، ودخل منه نور كشاف قوي عماه تماماً.
مكنش زين.. ده كان مصطفى! بس مكنش جاي يقتلها، ده كان مجرور من قفاه، ورجليها غرقانة دم والكلبشات في إيده، واللي سحبه وراه وزقه على الأرض بقسوة كان زين الشافعي بنفسه!
زين دخل وعينيه بطق شرار، وبحركة أسرع من البرق، وجه سلاحه ناحية الراجل اللي في البلكونة وضربه طلقة واحدة في كتفه، وقعه الأرض وسلاحه طار. النور رجع للفيلا في نفس اللحظة، والرجالة الكبار بتوع الشافعي دخلوا ولموا الراجل المصاب ومصطفى اللي كان بيعيط على الأرض وبيترجى العفو.
زين بصلهم وقال للحراس بصوت جهوري:
— خدوهم على المزرعة.. الغول مستنيهم هناك في المخزن، والحساب كله هيتقفل الليلة دي.
الرجالة سحبوهم برة وقفلوا الباب، والأوضة رجعت هادية تماماً. زين رمى سلاحه على الكنبة، وجري على فريدة اللي كانت قاعدة على السرير بتنهج ودموعها مغرقة وشها. أخدها في حضنه وضمها بقوة كأنه بيحاول يدخلها جوة ضلوعه، وهي مسكت في قميصه الأبيض اللي كان عليه عفرة تراب الصحراء وبدأت تصرخ وتعيط من كتر الخوف والارتياح.
— خلاص يا بنت قلبي.. خلاص يا فريدة.. الكابوس انتهى والغول ومصطفى وكل اللي فكروا يمسوكي بقوا في خبر كان.. أنا قفلت حسابهم وللأبد.
فريدة وهي بتترعش في حضنه:
— كنت هتموت يا زين.. أنا شوفت الموت بعنيا.. كنت خايفة تضيع مني.
زين بعد وشها عنه بالراحة، ومسح دموعها بصوابعه، وابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية منورة وشها كله:
— الشافعي ميموتش وعيلته ناقصة يا فريدة. أنا رجعت عشانك وعشان البنت دي.
حط إيده الكبيرة على بطنها، وفجأة البنت ركلت ركلة قوية تحت كف إيده، زين ضحك بصوت عالي وعينيه دمعت من الفرحة:
— دي شكلها طالعة شديدة وبتقولك إنها مش خايفة من حاجة طول ما أبوها جنبها.
فريدة بصت في عينيه، ولقت الحنان والأمان اللي عاشت عشر شهور تدور عليهم في شوارع طنطا وبقيت الشقق الإيجار. الخوف اللي كان جواها بدأ يدوب زي السكر في المية، وعرفت إن القلعة دي م بقتش سجن، بقت الحصن اللي هيحمي حلمهم.
بعد شهرين بالظبط..
في المستشفى الكبير في مصر الجديدة، كانت فريدة قاعدة على السرير ولابسة لبس العمليات الأبيض، ووشها رايق وبتضحك. وزين كان قاعد جنبها، وشايل في إيديه لفافة صغيرة بيضاء، بيبص لملامح بنته “ليلى” اللي لسه شرفّت الدنيا من كام ساعة، وعينيها شبه عيون أمها بالظبط.
فريدة بدلال مصري خالص:
— هاه يا زين.. لسه برضه عايز تطلقني بعد ما التلاتين يوم بتوع المحكمة خلصوا؟ ولا ناسي إننا عدينا المدة؟
زين قرب منها، وحط ليلى بالراحة في حضن أمها، وباس إيد فريدة وجبينها وقال بنبرة مليانة حب ووعد حقيقي:
— أنا قطعت ورق الطلاق من أول ليلة يا فريدة، والمحكمة دي تمشي كلمتها على الكل.. إلا على زين الشافعي لما تخص مراته وبنته. إنتي جحيمي وجنتي يا بنت الشافي، والمرة دي مفيش هروب.. إحنا سوا لأخر العمر.
فريدة ضمت بنتها لصدرها وبصت لزين بأمان، والستارة نزلت على أحلى بداية لحياتهم الجديدة وسط النور.