السر مشيرة محمد

إن الكابوس ده حقيقي.
الصبح جه، وصوت عم رمضان وهو بينادي من بره البيت يا حسن.. يا أبا الحاج حسن.. فين المعزة؟ خلاني أنتفض.
خرجت له وأنا وشي أصفر زي الليمونة، وجسمي بيرتعش. عم رمضان بصلي باستغراب وقال مالك يا بني؟ شكلك عامل زي اللي شاف عفريت.. فين المعزة؟ السور فاضي والحبل مقطوع!
مقدرتش أستحمل.. الرعب والكبت خلوني أنفجر. صرخت فيه مراتي كلتها! يارا بلعتها صاحية قدام عيني بالليل! يارا حية كبيرة يا عم رمضان!
عم رمضان تنح، وبصلي من فوق لتحت، وافتكرني بهزر.. بس لما لقى دموعي ونظرة الرعب في عيني، خاف وتراجع لورا وقال جرى إيه لعقلك يا حسن؟ يارا البنت المؤدبة تبلع معزة؟ إنت اتهبلت يا واد؟
ومن هنا بدأت الفضيحة. عم رمضان جري على ساحة البلد يحكي للناس، وأنا جريت وراه زي المجنون عايز أثبت حقيقتي. ولميت الناس، ووقفت في وسط الساحة أصرخ وأقول اللي شفته، لحد ما أمي جت تضرب الأرض بعصايتها وتقوللي غور من وشي يا صالح واتمسى.. إنت شكلك شربت حاجة خلت عقلك يطير! أمي من كتر صدمتها لغبطت في اسمي ونادتني باسم أبويا الله يرحمه صالح.
الناس ضحكت، والعمدة ابتسم بتهكم، ومشيت من الساحة وأنا حاسس إن الدنيا كلها اسودت في عشي. رجعت البيت وأنا بجر رجلي، والكلب شفيق لسه مستخبي تحت السرير وبيرتعش. دخلت الأوضة، لقيت يارا قاعدة بتمشط شعرها الأسود الطويل قدام المراية، ولابسة جلابيتها البيظا الصعيدي المحتشمة، وتبصلي في المراية وعيونها رجعت طبيعية تماماً.
قالتلي بنبرة عتاب حزينة
كده برضه يا حسن؟ تروح تفضحني في البلد وتقول عليا باكل معيز؟ بقى أنا يارا الرقيقة يحصل مني كده؟ الناس دلوقتي هتقول عليك اتجننت.. وأمك زعلت منك.
قعدت على السرير وحطيت راسي بين إيديا إنتي هتموتينا كلنا.. إنتي إيه بالظبط؟ جِنية؟ سحارة؟ متجوز حية؟!
قربت مني، وقعدت جنبي، وحضنتني. الحضن كان دافي بزيادة المرة دي، وقالت في ودني
أنا من عمار الأرض يا حسن.. أهلي عايشين تحت البيوت القديمة من آلاف السنين. لما شفتك في الغيط من سنة، قلبي حبك.. واتشكلت في صورة بشرية عشان أتجوزك وعشان أعيش معاك. أنا مبأذيش حد.. بس كل كام شهر، لازم الطبيعة الأصلية تغلبني، ولازم آكل أكلة كاملة وصاحية عشان أجدد طاقتي البشيرية وأفضل عايشة معاك في الصورة دي.
بصيت في عيونها.. الرعب كان لسه جواه، بس كان فيه نظرة حب غريبة وصادقة في عيونها.
سألتها بصوت مرعوب والناس؟ عم رمضان مش هيسكت على معزته.. والبلد كلها بتبصلي على إني مجنون.
ابتسمت وقالت سيب البلد عليا.. أنا هصلح كل حاجة.
تاني يوم الصبح، البلد كلها صحيت على مفاجأة.
عم رمضان لقى في حوش بيته مش معزة واحدة.. لقى تلات معيز بيض، أحسن وأكبر من المعزة اللي ضاعت، وجنبهم كيس قماش فيه عشر تلاف جنيه ذهب قديم! عم رمضان من الفرحة مبقاش يتكلم عن المعزة اللي ضاعت، وبقى يقول للناس حسن ده مبروك.. والظاهر المعزة بتاعته تباركت وحصلتلها معجزة!
أما العمدة، فجاله في بيته بالليل صندوق صغير مقفول، لما فتحه لقى جواه تمثال فرعوني صغير من الذهب الخالص، ومكتوب جنبه ورقة صغيرة خلي حسن في حاله.. والبلد هتعيش في أمان. العمدة من بعدها بقا لما يشوفني في الساحة، يقف يسلم عليا بحرارة ويقول للناس حسن ده عاقل وعينه مليانة، والكلام اللي قاله كان مجرد هلس ليلة فرح.. سيبوا الراجل في حاله.
حتى أمي.. يارا راحتلها البيت، وطبختلها بأيدها، وقدمتلها غوايش دهب تقيلة وقالتلها دي هدية من أهلي بمناسبة الجواز. أمي لفت في البلد تقول مرات ابني دي ست الشيخان.. دي بركة نزلت علينا من السماء، وحسن ابني كان واكل أكلة ثقيلة الليلة دي وخرفت في الكلام. مشيره محمد
الكل صدق الكدبة.. والكل رضي بالدهب والمعيز.
الوحيد اللي عارف الحقيقة هو أنا.
الآن، عدي سنة كاملة على الليلة دي.
حياتنا ماشية هادية جداً. يارا زوجة مطيعة، جميلة، والبلد كلها بتحسدني عليها أكتر من الأول. بس أنا مبقتش أنام زي الأول.
كل ما الليل يليل، والمغرب يأذن، وأسمع صوت الفراخ وهي بتكاكي برعب بره، والكلب شفيق يدخل يستخبى تحت السرير وهو بيبكي بصوت واطي.. بعرف إن المعاد قرب.
بقعد في السرير، وبص لليارا وهي نايمة جنبي، وبفكر.. يا ترى المرة الجاية الجوع هيقرصها امتى؟ ويا ترى الأكلة الجاية هتكون معزة تانية من بره.. ولا في ليلة من الليالي مش هتلاقي حاجة بره، وتلف راسها ناحيتي في الضلمة، وتفتح بقها وتكبر.. وتكبر.. وتبلعني أنا؟
السر ده عايش معاه، وبموت بيه كل يوم.. ومحدش في البلد هيصدقني لو حكيت، لأن يارا ببساطة.. قفلت بوق الكل بالدهب.
تمت مشيره محمد

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *