كان معايا في الملجا

الولد ده عاش معايا في الملجأ لحد ما كمل ١٤ سنة»،
قالتها الشغالة بصوت واطي ومكتوم، وكلامها كان طالع بيترعش وهي واقفة في طرقة القصر الهادية. صدى صوتها كان زي خبطة شاكوش كسرت سكون المكان الفخم ده.
​آرثر مينيز اتسمّر مكانه قدام اللوحة القديمة اللي متعلقة على الحيطة. حس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه.. الولد اللي في الصورة شبه أخوه الصغير بالمللي.. أخوه اللي اختفى من أكتر من تلاتين سنة.
​غصة وقفت في حلقه.. نفس النظرة، نفس شكل الشعر، وحتى نفس البراءة اللي فاكرها من أيام طفولته. إيد الست كانت لسه بتترعش وهي بتكمل كلامها.
​همست وقالت: «كنت أعرفه باسم دانيال.. وعمره ما اتكلم عن أهله خالص.»
​آرثر حبس نفسه بالعافية وسألها: «أنتي متأكدة؟»
​ردت: «أيوة يا بيه.. أنا كبرت معاه في الملجأ، وكان ديماً بيحميني لما مكنش حد بيقف جنبي.»
​آرثر مينيز كان عنده كل حاجة؛ فلوس، ومنصب، واحترام مدينة بحالها. حياته كانت عبارة عن عقود واجتماعات وعزومات فاخرة، بس مفيش حاجة من كل ده قدرت تملا الفراغ اللي جواه.
​أصل مفيش نجاح في الدنيا يقدر يداوي

الجرح اللي سابه اختفاء أخوه الصغير “لوكاس”، اللي اتخطف وهو عنده ٤ سنين بس.
​القضية دي هزت العيلة كلها؛ أبوهم المحامي المعروف، وأمهم مدرسة المزيكا الطيبة، لفوا الدنيا عليه ومدوروش وراهم. طيارات، وكلاب حراسة، وأخبار في كل حتة.. بس مفيش حاجة رجعت الولد لبيته.
​كل ده حصل في صباح يوم حد هادي في “سنترال بارك”. المربية بصت الناحية تانية لثانية واحدة بس.. وفي اللحظة دي لوكاس فص ملح وداب بين الشجر. وآرثر، اللي كان عنده ٨ سنين وقتها، حلف لنفسه إنه لازم هيلاقي أخوه في يوم من الأيام.
​السنين عدت.. صحة الأم تدهورت، والأب غرق نفسه في الشغل. وبيانو العيلة اللي كان مالي البيت مزيكا سكت تماماً، وفضلت صورة لوكاس الصغير محطوطة عليه.. بهتانة ومصفرة من كتر ما الزمن عدى عليها.
​من أسبوعين، جت شغالة جديدة القصر، كان اسمها كلارا؛ ست هادية من الأرياف، مؤدبة وصوتها واطي، بس كان ديماً وراها سر غامض.
​آرثر مكنش مهتم بيها أوي.. لحد ما شافها في يوم واقفة مذهولة قدام اللوحة.
​سألها: «في حاجة حصلت؟»
​لفت وشها ليه والدموع مغرقة عينيها: «يا بيه، الولد اللي في الصورة ده عاش معايا في الملجأ لحد ما بقى عنده ١٤ سنة.. كنا بنناديه دانيال.»
​آرثر بصلها بذهول: «أنتي قلتي إيه؟»
​هزت راسها بكل ثقة وقالت بشجاعة: «كان ديماً يحكي عن بيت فيه بيانو وجنينة، وأخ كبير كان ديماً يقوله “يا بطلي الصغير”. مكنش حد بيصدقه.. بس أنا كنت مصدقاه.»
​كلماتها كانت زي نبض قوي ضرب قلب آرثر بعنف..
يا ترى دي الحقيقة اللي فضل يجري وراها سنين؟
​آرثر حس إن جسمه كله بيترعش، سحب كرسي وقعد قدام كلارا وهو مش مصدق. «طيب هو فين دلوقتي يا كلارا؟ دانيال.. قصدي لوكاس.. لسه في الملجأ؟»

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *