ابويا ادي مفتاح البيت

أبويا إدّى مفاتيح بيته لبنت يتيمة، كانت بتترعش في محطة أتوبيس مهجورة، وقال لها جملة واحدة: “نامي وارتاحي النهاردة.. وبكرة ابدأي حياة جديدة”. لكن اللي شافه بعد 5 أيام لما فتح باب البيت، خلّاه يتسمر مكانه من الصدمة.
الحكاية بدأت في ليلة برد جداً، لدرجة إن كشافات النور في الشارع كانت تحسها متلجة. أبويا “فرانك”، راجل سبعيني، لسه بجسمه القوي وشعره الشايب، من النوع اللي قلبه ميت وما بيهربش من المشاكل. كنت معاه في العربية واحنا راجعين من الصيدلية، لما لمحها تحت مظلة مكسورة في محطة الأتوبيس القديمة.
بنت باين عليها يدوب 16 أو 17 سنة.. جسمها نحيل، وشعرها البني مبلول ومطفي على وشها، ولابسة بالطو أخضر قديم لافّاه حوالين نفسها بقوة. كانت ماسكة في إيدها شنطة قماش صغيرة كأنها آخر حاجة باقية لها من الدنيا.
وشوشت أبويا: “يابا، مش المفروض نكلم حد ييجي يتصرف؟”.
لقيته نزل من العربية فعلاً.
البنت رجعت لورا بخوف أول ما قرب منها.. مكنتش قليلة الذوق ولا متمردة، كانت بس مرعوبة رعب يخلي قلبك يتقبض.
#روايات_مشيره_محمد
أبويا قال لها بصوت هادي: “أنا مش جاي آذيكي.. أنا اسمي فرانك”.
بصت للطريق وراها، وبعدين للمحطة الفاضية، وبتراقب كشافات كل عربية معدية بقلق.
– “سقعانة؟”
هزت راسها بـ “أيوه”.
– “جعانة؟”
مردتش.
أبويا قلع الكوفية الصوف بتاعته وحطها على الدكة جنبها من غير ما يلمسها: “تقدري تيجي تقعدي في العربية، الدفاية شغالة.. ومش هسألك أي سؤال النهاردة”.
دي كانت أول حاجة غريبة.. مسألتش احنا رايحين فين، ولا ليه مهتم بيها.. هي بس همست بكلمة واحدة: “أرجوك متقولهمش”.
سألتها: “نقول لمين؟”.
بصت في عيني وقالت جملة مش هنسى شكلها وهي بتقولها: “هيوصلّي..”.
أبويا أخدها البيت على أي حال.
عمل لها شاي، وأنا جهزت لها شراب ناشف وفوطة وبطانية قديمة من الدولاب. قالت لنا إن اسمها “إيما”، بس حتى الاسم كان باين إنه مش بتاعها. حكت إنها خرجت من دار أيتام في بلد قريبة بعد ما سنها كبر، وسكتت.. كأن باقي الحقيقة محبوس ورا سنانها ومش قادرة تطلعه.
يومها أبويا حط نسخة مفاتيح البيت في إيدها وهي بتترعش.
وقال لها: “أوضة الضيوف بتاعتك.. نامي وارتاحي النهاردة، وبكرة ابدأي حياة جديدة”.
تاني يوم الصبح، أبويا اضطر يسافر كام يوم يساعد واحد صاحبه عامل عملية في القلب. أنا كنت موجودة في البلد بس مش في البيت. إيما كان عندها الأكل والدفا وهدوم نظيفة، ورقم أبويا مكتوب جنب تليفون المطبخ.