النادلة رقصت وهي بتخدم زعيم المافيا وبعد ساعات، أصدر أمره بهدوء جيبوها لي كانت سلمى في نص لفة مرحة، والصينية متوازنة فوق كتفها، لما ياسين الجبالي بطل يسمع كلام الرجالة اللي قاعدين معاه. هي ماكانتش تعرف إن أخطر رجل في القاهرة كان بيراقبها وهي بترقص، ولا كانت تعرف إنه بعد ساعات، هيبص لواحد من رجاله ويقول بهدوء جيبوها لي. ولأول مرة من سنين، حاجة بريئة تمامًا قدرت تشتت ياسين عن العالم الخطير اللي كان بيبتلع حياته. كانت ترابيزة مطعم ليالي النيل في الزمالك منورة بأنوار صغيرة دافية، وصوت العود والمزيكا الشعبية مالي المكان، والناس قاعدة بتاكل وتضحك وسط جو الصيف. سلمى كانت بتتحرك بين الترابيزات المليانة، لابسة جيبة كحلي ومريلة بيضا، وبتقدم الأكل والمشروبات للزبائن، بينما الفرقة بتعزف لحن شعبي سريع. وفجأة، الإيقاع شدها. ابتسمت سلمى، ولفت حوالين كرسي فاضي، ورفعت الصينية فوق كتفها، ورقصت تلات خطوات خفيفة وهي بتكمل طريقها للترابيزة. كام واحد من الزباين الدائمين صفقوا لها. ضحكت سلمى وعملت لهم انحناءة صغيرة وهي بتهزر. من ورا البار، محمود هز راسه بحنان وقال لها إنتِ جاية تشتغلي ولا جاية تعملي فرح يا سلمى؟ حطت سلمى صباعها على شفايفها وقالت وهي بتضحك اسكت يا محمود، محدش شاف حاجة. الرقص وهي في الشغل ماكانش مسموح بيه أوي، لكنها ماقدرتش تقاوم. من وهي صغيرة، كانت سلمى بتحلم إنها ترقص على مسرح كبير. لكن الظروف أخدتها في طريق تاني. والحياة أجبرتها تشتغل عشان تساعد نفسها وأمها. ومع ذلك، كل ما المزيكا تشتغل، الحلم القديم كان بيرجع تاني. سلمى ماخدتش بالها من التلات رجالة اللي قاعدين في ترابيزة منعزلة في آخر المطعم. لكن ياسين خد باله من كل حاجة. من ست شهور، ياسين الجبالي كان استلم إمبراطورية عيلته بعد موت والده، واستلم معاها أعداء كتير، وأسرار أكتر، ورجالة كل واحد فيهم مستعد يبيع أقرب شخص ليه عشان يفضل عايش. ليالي ياسين كانت عادة مليانة باجتماعات سرية، وتحذيرات، وتهديدات، ورجالة بيحسبوا كل كلمة قبل ما ينطقوا بيها قدامه. والليلة دي ماكانتش مختلفة. كان حمدي، رجله الأول، بيشرح له أخبار مقلقة عن صفقة جديدة مع واحد من أكبر منافسيه. لكن انتباه ياسين اتشتت تاني. سلمى كانت بالغلط قدمت مشروب لترابيزة غلط. ولما اكتشفت غلطتها، بدل ما تتوتر، ضحكت على نفسها، واعتذرت للناس، وبعدها عملت انحناءة مسرحية خلت الترابيزة كلها تضحك. ولأول مرة من فترة طويلة، حاجة شبه الابتسامة ظهرت على وش ياسين. حمدي وقف عن الكلام. يا ياسين باشا؟ ياسين رجع بص له. حكايات_شروق_خالد إيه؟ إنت سامعني؟ رد ياسين بهدوء أيوه. لكن عينيه رجعت تاني ناحية سلمى. المرة دي، هي لاحظت. كانت واقفة جنب ترابيزة فاضية وبتنضفها بفوطة، وفجأة حست إن في حد بيراقبها. رفعت عينيها ناحية الركن، واتقابلت عينيها مع عيني ياسين. ابتسامتها اختفت. كان راجل طويل، لابس بدلة سودا غالية، وملامحه جامدة بطريقة تخلي أي حد يفكر مرتين قبل ما يقرب منه. والراجلين اللي قاعدين جنبه كانوا ساكتين، لكن عينيهم بتتحرك في المكان طول الوقت. سلمى بصت بعيد بسرعة. هي خدمت قبل كده ناس أغنيا، ورجالة أعمال، وناس كانت بتسمع عنهم حكايات كتير. وعاشت في القاهرة بما يكفي عشان تعرف إن في ناس الأفضل ماتسألش عنهم. لكن رغم كده، قلبها فضل بيدق بسرعة غريبة. بعد شوية، ياسين شافها وهي بتجيب كوباية مية لراجل كبير في السن من غير ما يطلب. وشافها كمان وهي بتساعد عامل صغير كان شايل أطباق كتير، ولما طبق وقع منه، نزلت تساعده تجمعه بدل ما تسيبه لوحده. ماكانش في أي حاجة في تصرفاتها تقول إنها بتحاول تلفت انتباه حد. وده بالذات اللي لفت انتباهه أكتر من رقصها. لما صاحب المطعم جاب الحساب، ياسين وقف. سلمى بصت ناحيته مرة تانية. عينيهم اتقابلت لثانية واحدة. وبعدها خرج من المطعم. سلمى أخدت نفس طويل، وحاولت تقنع نفسها إن الموقف خلص. وإن الراجل الغريب ده مش هتشوفه تاني. لكن بعد نص الليل، مطعم ليالي النيل كان قفل. سلمى غيرت هدوم الشغل، ومحمود كان بيجمع الكراسي. كانت بتضحك وهي بتحكيله تاني عن غلطة المشروب، لما عربية سودا فخمة وقفت قدام المطعم. سلمى بصت من ورا الزجاج. العربية فضلت واقفة ثواني، وبعدها تحركت ومشيت. ماكانتش تعرف إن حد كان بيراقب خروجها. حكايات_شروق_خالد وفي نفس الوقت، في مكتب ياسين الفخم في القاهرة، كان واقف قدام الشباك وباصص على أضواء المدينة. الاجتماع كان خلص من حوالي عشرين دقيقة. لكنه ماكانش فاكر نص الكلام اللي اتقال. لأن اللي كان شايفه قدام عينيه، كان سلمى وهي بتلف بالصينية تحت نور المطعم. ولأول مرة، وجود بنت غريبة في مكان عام كان شاغل تفكيره بالشكل ده. حمدي كان واقف جنب الباب مستني. وأخيرًا، ياسين اتكلم. النادلة اللي كانت في المطعم النهارده. حمدي رفع حاجبه. سلمى؟ ياسين لف ناحية الشباك. وشه كان هادي، لكن القرار اللي في عينيه كان واضح. وقال بصوت منخفض جيبوها لي. حمدي سكت لحظة. وبعدين قال بحذر عايزها ليه يا باشا؟ ياسين بص له نظرة قصيرة. أنا قلت جيبوها. حمدي فهم إن السؤال انتهى. خرج من المكتب، وقفل الباب وراه. أما ياسين، ففضل واقف مكانه. لأول مرة من سنين، ماكانش بيفكر في أعدائه. ولا في الخيانة اللي بتحصل حواليه. ولا في الصفقة اللي ممكن تشعل حرب بين أكبر عيلتين في القاهرة. كان بيفكر في بنت بسيطة، رقصت وهي شايلة صينية، وضحكت على غلطتها كأن الدنيا لسه فيها حاجة تستاهل الضحك. وماكانش يعرف إن القرار اللي أخده في اللحظة دي هيكون أول خطوة في سر خطير هيقلب حياته كلها. في اليوم التالي، سلمى وصلت المطعم بدري عن عادتها. كانت طول الليل مش عارفة تنام. كل ما تفتكر نظرة الراجل اللي كان قاعد في آخر المطعم، تحس بقشعريرة في جسمها. حاولت تقنع نفسها إن الموضوع عادي. يمكن كان مجرد زبون غني. يمكن شاف رقصتها وضحك زي باقي الناس. لكن إحساس غريب كان جواها بيقول إن الحكاية ماخلصتش. وإحساسها طلع في محله. الساعة كانت حوالي عشرة الصبح، والمطعم لسه بيفتح أبوابه، لما عربية سودا وقفت قدام المكان. نزل منها حمدي ومعاه راجل تاني. دخلوا المطعم بهدوء. محمود كان بيرتب الكراسي، ولما شافهم قرب وقال تحت أمركم. حمدي بص حواليه وسأل سلمى موجودة؟ محمود اتوتر. سلمى؟ أيوه... بس ليه؟ حمدي ماجاوبش. في اللحظة دي خرجت سلمى من المطبخ وهي شايلة صندوق صغير. أول ما شافت الرجلين، وقفت مكانها. حمدي بص لها مباشرة. إنتِ سلمى؟ قلبها دق بسرعة. أيوه... خير؟ قال بهدوء ياسين الجبالي عايز يقابلك. الصندوق وقع من إيدها على الأرض. محمود قرب منها بسرعة. ياسين مين؟ لكن سلمى ما ردتش. اسم ياسين الجبالي كان كفاية يخلي الخوف يظهر في عينيها. كانت سمعت الاسم قبل كده. مش تفاصيل. مجرد كلام متفرق من الناس... راجل محدش يقدر يقف قدامه. اللي يدخل معاه صفقة لازم يحسبها عشر مرات. ابعد عن طريقه أحسن. رفعت سلمى عينيها لحمدي وقالت أنا عملت إيه؟ حمدي رد ولا حاجة. أمال عايزني ليه؟ سكت لحظة، وبعدها قال ده سؤال تسأليه له بنفسك. سلمى هزت راسها بسرعة. أنا مش هروح. محمود وقف جنبها. وهي قالت مش هتروح. حمدي بص له نظرة باردة. لكن قبل ما يتكلم، رن تليفونه. رد أيوه يا باشا. سكت وهو بيسمع. وبعدين قال هي قدامي. سكت تاني. وبص لسلمى. حاضر. قفل المكالمة. ثم قال ياسين قال إنها لو مش عايزة تيجي، محدش يجبرها. سلمى اتفاجئت. حمدي كمل لكنه طلب مني أوصل لها رسالة. إيه؟ يقولك إن والدتك اسمها نوال؟ اتجمدت سلمى. وشها اتغير تمامًا. إنت تعرف أمي منين؟ حمدي ماجاوبش. اكتفى إنه طلع ظرف بني من جيبه وحطه على الترابيزة. ده ليكي. ومشي. سلمى فضلت واقفة مكانها، مش قادرة تتحرك. محمود قرب من الظرف. ماتفتحيهوش هنا. لكن سلمى كانت بالفعل مسكته. إيديها كانت بتترعش. فتحت الظرف ببطء. وأول حاجة وقعت قدامها كانت صورة قديمة جدًا. صورة لست شابة واقفة قدام مستشفى. سلمى قربت الصورة من عينيها. ثم شهقت. دي... أمي. لكن كان في شخص واقف جنبها في الصورة. راجل شاب. ملامحه كانت مختلفة بسبب قدم الصورة، لكن عينيه... سلمى حست إنها شافتهم قبل كده. قلبها بدأ يخبط بعنف. قلبت الصورة على ضهرها. وكان مكتوب بخط اليد لو عايزة تعرفي إيه اللي حصل ليلة 14 أكتوبر... اسألي ياسين عن والدك. سلمى حست إن الأرض بتتهز تحت رجليها. والدها. الكلمة دي كانت دايمًا ممنوعة في بيتهم. من وهي طفلة، كل ما تسأل أمها عن أبوها، كانت نوال تسكت وتغير الموضوع. مرة واحدة بس، وهي عندها عشر سنين، سمعت أمها بتقول لجارتهم المهم إنها ماتعرفش. ساعتها سلمى افتكرت إن أمها بتحاول تحميها من وجع قديم. لكن دلوقتي... إيه علاقة ياسين الجبالي بأبوها؟ وليه عنده صورة لأمها؟ وليه اختار الليلة دي بالذات؟ رفعت عينيها لمحمود. أنا لازم أعرف الحقيقة. محمود بص لها بقلق. الحقيقة ساعات بتكون أخطر من الكذبة. سلمى قبضت على الصورة. وأنا تعبت من إني أعيش وسط أسرار مش فاهمة حاجة عنها. في نفس اللحظة، تليفونها رن. رقم غريب. ردت بحذر ألو؟ جالها صوت رجل هادي سلمى؟ مين؟ أنا ياسين. سلمى سكتت. صوته كان مختلف عن الصورة اللي رسمتها في خيالها. هادئ جدًا. وده خوّفها أكتر. قال لو عايزة تعرفي الحقيقة عن والدك، تعالي مكتبي. سلمى سألت بسرعة وإنت تعرف أبويا منين؟ صمت ياسين ثواني. ثم قال لأن آخر مرة شفته فيها... كنت واقف جنبه. وقفل الخط. سلمى فضلت ماسكة التليفون. لكنها ماخدتش بالها إن محمود كان واقف وراها، وملامحه اتغيرت بمجرد ما سمع الجملة الأخيرة. لأن محمود... كان يعرف اسم والد سلمى. وكان يعرف كمان السر اللي نوال قضت سنين وهي بتحاول تدفنه. والأخطر... إنه كان حاضر في الليلة اللي ياسين بيتكلم عنها. لكن محمود ماقالش أي كلمة. واكتفى إنه بص لسلمى وهمس لو روحتي لياسين... ماتقوليش إنك عرفتي مني أي حاجة. سلمى بصت له باستغراب. ليه؟ محمود بلع ريقه. لأن الليلة دي... مش هتلاقي فيها الحقيقة بس. أمال هلاقي إيه؟ رفع عينيه لها وقال هتلاقي سبب يخلي ناس كتير تتمنى إنك ماعرفتيش الحقيقة أصلًا سلمى فضلت طول الليل تفكر في كلام محمود. وفي الصبح، قبل ما تنزل من البيت، لقت أمها قاعدة في الصالة، ماسكة فنجان القهوة وإيديها بتترعش. سلمى وقفت قدامها وحطت الصورة على الترابيزة. ماما... مين الراجل ده؟ نوال بصت للصورة. وفي لحظة، لون وشها اختفى. ما سألتش الصورة جات منين. ما استغربتش إن سلمى عرفت. بس قالت جملة واحدة إنتِ قابلتي ياسين؟ سلمى اتصدمت. يعني إنتِ عارفاه؟! نوال قامت بسرعة وقفلت باب الشقة. اقفلي الموبايل. ليه؟ اعملي اللي بقولك عليه يا سلمى. سلمى حست إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد صورة قديمة. بابا كان يعرفه؟ نوال سكتت. ماما! دموع نزلت من عين نوال. أبوكي ماكانش راجل عادي يا سلمى. يعني إيه؟ وكان ليه أعداء. وياسين كان منهم؟ نوال هزت راسها بالنفي. لأ. سلمى قربت منها. أمال كان إيه؟ نوال بصت ناحية الباب، وكأنها خايفة حد يسمعهم. ياسين كان آخر شخص أبوكي وثق فيه. سلمى اتجمدت. وإنتِ مخبية عني ده ليه؟ قبل ما نوال ترد، جرس الباب رن. مرة. مرتين. وبعدين تلات مرات متتالية. نوال شهقت. مستحيل... سلمى بصت للباب. مين؟ نوال مسكت إيدها بقوة. ماتفتحيش. الجرس رن تاني. وصوت رجل جه من ورا الباب مدام نوال... إحنا مش جايين نأذي حد. نوال قربت من سلمى وهمست دول مش رجالة ياسين. سلمى بصت لها برعب. أمال مين؟ ما لحقتش تسمع الإجابة. لأن صوت خبط عنيف هز الباب كله. نوال سحبت سلمى ناحية المطبخ. بسرعة! ماما لمحة نيوز إنتِ بتعملي إيه؟ في باب صغير ورا المطبخ... أبوكي كان عاملُه من زمان. سلمى بصت لها بعدم تصديق. باب سري؟! نوال فتحت دولاب قديم، وظهر وراه باب خشبي صغير. لكن قبل ما يخرجوا، نوال وقفت فجأة. رجعت للصورة وأخدتها. دي لازم تروح معانا. سلمى سألت ليه؟ نوال بصت لها بعينين مليانين خوف. لأن الراجل اللي في الصورة مش هو الشخص اللي لازم تخافي منه. أمال مين؟ نوال فتحت الباب السري. وقالت الشخص اللي واقف بعيد وراهم. سلمى بصت للصورة مرة تانية. كانت فيها أمها ووالدها وياسين. لكن لما قربت الصورة من الضوء... اكتشفت فعلًا إن في ظل رجل واقف في الخلفية. والأغرب... إن وشه كان متشال بعناية من الصورة. كأن حد تعمد يمحي ملامحه. وفجأة، موبايل سلمى رن. رقم ياسين. فتحت الخط وهي بتترعش. جالها صوته فورًا سلمى، اسمعيني كويس. في إيه؟ ماتخرجيش من البيت من غير ما تسمعي كلام والدتك. في ناس عندنا! سكت ياسين ثانيتين. ثم قال بصوت لأول مرة كان فيه توتر واضح عارف. سلمى شهقت. إنت عارف؟! وعارف مين بعتهم. مين؟ جاء صوته منخفضًا نفس الشخص اللي كنت بدور عليه من ست شهور. سلمى بصت لأمها. نوال كانت بتبص لها وهي منهارة. ثم قال ياسين وأنا غلطت لما طلبت من رجالي يجيبوكي. سلمى سكتت. ليه؟ رد ياسين لأني لما شفتك في المطعم... ماكنتش عارف إن وجودك هيخلّيهم يعرفوا إنك لسه عايشة. انقطع الخط. سلمى بصت لمامتها. يعني إيه لسه عايشة؟ نوال غطت وشها بإيديها. وفي اللحظة نفسها... اتسمع صوت كسر الباب الخارجي. وسلمى فهمت إن الوقت خلص صوت الباب وهو بيتكسر خلّى سلمى تتجمد مكانها. نوال مسكت إيدها وجرتها ناحية الباب السري. بسرعة يا سلمى! لكن قبل ما تدخل، سلمى وقفت. ماما... وإنتِ؟ أنا وراكي. لأ، مش هسيبك. نوال بصت لها والدموع في عينيها. لو فضلنا هنا، محدش فينا هيعرف الحقيقة. دخلوا الباب السري وقفلوه وراهم. كان ممر ضيق ومظلم، واضح إنه متعمل من سنين. سلمى كانت ماشية ورا أمها وهي بتسمع أصوات الرجالة في الشقة. واحد منهم صاح دوروا في كل الأوض! سلمى حطت إيدها على بقها عشان تمنع نفسها من التنفس بصوت عالي. وفجأة... نوال وقفت. قدامهم كان في باب حديد قديم. طلعت مفتاح صغير من سلسلة كانت معلقة في رقبتها. سلمى بصت لها بدهشة. إنتِ كنتِ مخبية المفتاح ده طول السنين دي؟ نوال ما ردتش. فتحت الباب. ظهر قدامهم مكان صغير مليان صناديق وملفات قديمة. وفي المنتصف كان في صندوق خشب عليه اسم سليم الجبالي. سلمى قربت منه. الجبالي؟ نوال مسكت إيدها. ماتفتحيهوش. ليه؟ لأن أبوكي كان عارف إن اليوم ده ممكن ييجي. سلمى بصت لها. بابا اسمه سليم؟ نوال أغمضت عينيها. أيوه. سلمى رجعت تبص للصندوق. يبقى إيه علاقة ياسين بيه؟ قبل ما نوال ترد... صوت خطوات اتسمع في الممر. نوال اتوترت. مستحيل يكونوا وصلوا هنا. سلمى همست نستخبى؟ لكن صوت رجل جه من آخر الممر مدام نوال... عارفين إنك هنا. سلمى قربت من أمها. ثم ظهر رجل طويل من الظلام. لكن المفاجأة إنه ماكانش من الرجال اللي اقتحموا البيت. كان محمود. سلمى بصت له بصدمة. محمود؟! قال وهو بياخد نفس ياسين بعتني. نوال بصت له بقلق. هو عرف؟ عرف كل حاجة. متأخر. محمود بص للصندوق. لازم نخرج قبل ما يوصلوا له. سلمى سألت يوصلوا لإيه؟ محمود بص لها. للصندوق. سلمى قربت منه. جواه إيه؟ محمود سكت. نوال قالت بصوت ضعيف جواه الدليل الوحيد اللي يثبت إن أبوكي ماخانش ياسين. سلمى اتصدمت. يعني إيه؟ محمود رد من ست شهور، ياسين كان فاكر إن أبوكي خانه. وأبويا مات من سنين! عشان كده ياسين قضى ست شهور بيدور على الحقيقة. سلمى بصت للصندوق. والحقيقة جواه؟ محمود هز راسه. جزء منها. فجأة اتسمع صوت خبطة قوية على الباب الحديد. الثلاثة اتجمدوا. صوت رجل من الخارج افتحوا! محمود بص لنوال. لقونا. نوال بدأت تبكي. سلمى لأول مرة ماحستش بالخوف. حست بالغضب. مدت إيدها ناحية الصندوق. افتحيه يا ماما. نوال مسكت إيدها. لو فتحتيه، حياتك مش هترجع زي الأول. سلمى ردت بثبات حياتي أصلًا اتغيرت من اللحظة اللي عرفت فيها إن بابا مش الشخص اللي حكيتِ لي عنه. ثم فتحت القفل. رفعت الغطاء. كان أول شيء ظاهر... دفتر أسود قديم. وفوقه صورة. سلمى مدت إيدها للصورة. لكن أول ما شافتها... وقعت الصورة من إيدها. لأن الشخص اللي كان واقف جنب والدها وياسين في الصورة القديمة... كان هو نفسه الشخص اللي كان واقف قدام باب بيتهم من دقائق. وراء الصورة كان مكتوب لو وصلت الصورة دي لسلمى، يبقى ياسين عرف الحقيقة... لكن لسه ماعرفش الحقيقة كلها. سلمى رفعت عينيها لمحمود. يعني إيه لسه ماعرفش الحقيقة كلها؟ محمود ما لحقش يرد. لأن تليفون سلمى رن. كان ياسين. فتحت الخط. جالها صوته سلمى، اسمعيني كويس. أنا لقيت الصندوق. سكت ياسين. ثم قال ماتفتحيش الدفتر. سلمى بصت للدفتر. ليه؟ جاء صوته لأول مرة مرتعشًا لأن الدفتر ده... فيه اسم الشخص اللي قتل أبوكي سلمى فضلت ساكتة وهي ماسكة الدفتر. كلمة واحدة كانت بتدور في دماغها قاتل. بصت للتليفون. ياسين... إنت متأكد إن الدفتر ده فيه اسم الشخص اللي قتل أبويا؟ جاء صوته حاسم أيوه. وإنت شفت الاسم؟ سكت. ياسين؟ شفته. مين؟ سكت مرة تانية. سلمى بصت لمحمود، ثم لأمها. قولّي. ياسين قال لو قلت لك دلوقتي، ممكن تفتحي الدفتر وإنتِ مش مستعدة للي هتلاقيه. سلمى ردت بعصبية أنا تعبت من كل واحد بيقرر أنا أقدر أعرف إيه ومقدرش أعرف إيه! نوال قربت منها. سلمى... لكن سلمى أبعدت إيدها. لأ يا ماما. كفاية. رفعت الدفتر. النهارده هعرف كل حاجة. وفجأة... محمود خطف الدفتر من إيدها. سلمى بصت له بصدمة. إنت بتعمل إيه؟! قال محمود بسرعة لأن ياسين قال ماتفتحيهوش. وإنت من إمتى بتنفذ أوامر ياسين عليّا؟ محمود سكت. ثم قال من يوم ما أبوكي أنقذ حياتي. سلمى اتجمدت. إيه؟ محمود بص لنوال. هي لازم تعرف. نوال أغمضت عينيها. خلاص. محمود فتح الدفتر. الصفحة الأولى كانت مليانة تواريخ وأسماء وأرقام. صفحة وراء صفحة... لحد ما وصل لآخر جزء. وكان فيه اسم واحد محاط بدائرة. محمود حط إصبعه عليه. سلمى قربت. وبمجرد ما قرأت الاسم... رجعت خطوتين. مستحيل. نوال غطت وشها. أما محمود فقال عشان كده أبوكي مات. سلمى بصت له وهي مش مستوعبة. الاسم ده... صوتها اتكسر. ده اسم حد أعرفه. محمود هز راسه. مش بس تعرفيه. أمال مين؟ قال الشخص ده موجود في حياتك من زمان. قبل ما تسأله، صوت ارتطام قوي جه من ناحية الباب. محمود قفل الدفتر بسرعة. لازم نخرج. نوال قالت منين؟ في مخرج تاني. محمود أخد الصندوق، وسحب سلمى ونوال ناحية ممر جانبي. لكن سلمى كانت لسه مشغولة بالاسم. اسم الشخص اللي كانت واثقة فيه طول عمرها. الشخص اللي عمرها ما توقعت يكون له أي علاقة بموت أبوها. خرجوا من الممر ووصلوا لشارع جانبي. عربية ياسين كانت مستنياهم. الباب اتفتح. سلمى ركبت، لكن قبل ما تتحرك العربية، بصت لمحمود. ليه ياسين كان بيدور على الحقيقة من ست شهور؟ محمود رد لأنه اكتشف إن أبوه كان مخبي عنه حاجة. سلمى اتوترت. والد ياسين؟ أيوه. وإيه علاقة أبويا بده؟ محمود بص للطريق. والد ياسين ووالدك كانوا شركاء. سلمى شهقت. في إيه؟ محمود ماجاوبش. العربية كانت بتتحرك بسرعة، وفجأة تليفون سلمى رن. رقم مجهول. ردت. ماحدش اتكلم. ألو؟ صمت. ثم جاء صوت رجل عجوز سلمى... لو ياسين وصلك، ماتصدقيش كل اللي هيقوله. سلمى تجمدت. حضرتك مين؟ أنا الوحيد اللي يقدر يقولك أبوكي مات ليه. مين حضرتك؟ الصوت قال اسألي نوال عن ليلة المستشفى. وبعدها قفل. سلمى بصت لأمها. نوال كانت شاحبة تمامًا. ماما... إيه اللي حصل ليلة المستشفى؟ نوال ما ردتش. سلمى كررت السؤال. ماما! وأخيرًا، نوال رفعت عينيها وقالت أبوكي ما ماتش في المستشفى زي ما أنا قلت لك. سلمى حسّت إن نفسها انقطع. أمال مات فين؟ نوال بصت من شباك العربية. في بيت ياسين. سلمى اتجمدت. وفي نفس اللحظة، العربية وقفت فجأة. قدامهم كان واقف ياسين بنفسه. لكنه ماكانش لوحده. كان واقف جنبه راجل كبير في السن. أول ما نوال شافته... صرخت إنت؟! والراجل ابتسم وقال أخيرًا... بنت سليم رجعت نوال كانت بتبص للرجل قدامها وكأنها شافت شبح رجع من الماضي. إنت المفروض تكون مت! الرجل ابتسم ابتسامة باردة. الناس صدقت إني مت... وده كان المطلوب. سلمى نزلت من العربية رغم إن ياسين حاول يمنعها بإشارة من إيده. وقفت قدام الرجل. حضرتك تعرف أبويا؟ الرجل بص لها طويلًا. أنا كنت أعرفه أكتر من أي حد. مين حضرتك؟ قبل ما يجاوب، ياسين قال بحدة كفاية. الرجل لف له. لسه بتخاف عليها من الحقيقة يا ياسين؟ سلمى بصت لياسين. هو مين؟ ياسين ما ردش. الرجل قال اسمي فؤاد. سلمى اتوترت. الاسم كان مكتوب في الدفتر. نفس الاسم اللي شافته محاط بدائرة. رجعت خطوة. إنت فؤاد؟ فؤاد ابتسم. واضح إنك قريتي الدفتر. ياسين قرب منها. سلمى، ماتسمعيش منه. ليه؟ لأنه هيقول لك نص الحقيقة بس. فؤاد ضحك. والنص التاني؟ ياسين بص له بحدة. لسه هنتكلم عنه. سلمى بصت بينهم. أنا مش فاهمة حاجة. نوال نزلت من العربية وهي بتترعش. وقفت قدام فؤاد. ليه رجعت دلوقتي؟ فؤاد رد لأن الوقت خلص. وقت إيه؟ الوقت اللي كان عندك عشان تحمي بنتك. سلمى قربت من أمها. تحميني من مين؟ نوال ماقدرتش ترد. فؤاد قال مش مني. ثم بص لياسين. منها هي. سلمى اتصدمت. مين هي؟ فؤاد أخرج ظرفًا أبيض من جيبه. وحطه في إيد سلمى. افتحيه لما تبقي لوحدك. ياسين مد إيده وأخد الظرف. مش هتاخديه. فؤاد ابتسم. إنت لسه فاكر إنك تقدر تتحكم في كل حاجة يا ابن الجبالي؟ ثم التفت لسلمى. أبوكي ترك لك حاجة أهم من الفلوس. سلمى سألت إيه؟ الحقيقة. وفجأة، صوت عربية مسرعة قطع كلامهم. عربية سوداء ظهرت من آخر الشارع واتجهت ناحيتهم بسرعة. محمود صرخ ابعدوا! ياسين سحب سلمى بعيدًا في آخر لحظة. العربية عدت بسرعة واختفت. لكن فؤاد كان واقف مكانه كأنه كان مستنيها. ثم قال بهدوء شفت؟ سلمى بصت له. شفت إيه؟ إنهم عرفوا إنك معانا. ياسين قبض إيده. مين؟ فؤاد رد الناس اللي أبوكي كان بيحاول يحميكي منهم. ثم مشي ناحية العربية. قبل ما يركب، وقف وقال لسلمى لو عايزة تعرفي ليه والدك خبّى هويتك سنين... سكت لحظة. اسألي أمك عن الاسم اللي اتكتب في شهادة ميلادك. سلمى بصت لأمها. نوال انهارت على الكرسي. ياسين قرب من سلمى وقال لازم نرجع لمكان آمن. لكن سلمى هزت راسها. لأ. سلمى... أنا مش هتحرك خطوة قبل ما أعرف الحقيقة. نوال رفعت عينيها لها. والدموع بتنزل على خدودها. ثم قالت اسمك اللي في شهادة الميلاد... سكتت. وسلمى قربت منها. اسمي إيه يا ماما؟ نوال قالت بصوت مكسور مش سلمى. وفي اللحظة دي... ياسين نفسه اتغيرت ملامحه. كأنه كان يعرف الإجابة من قبل. وسلمى فهمت إن السر اللي اتدفن سنين... مش متعلق بموت أبوها بس. كان متعلق بهويتها هي نوال بلعت ريقها، وبصت لسلمى بعين مليانة خوف. اسمك الحقيقي... ليان. سلمى فضلت ساكتة ثواني. ليان؟ هزت نوال راسها. أبوكي هو اللي اختار الاسم ده... قبل ما تتولدي. ياسين قال بسرعة نوال، كفاية. سلمى لفت له بعصبية. إنت عارف؟ ياسين سكت. بتسألك... إنت عارف ولا لأ؟ رد بصوت منخفض أيوه. سلمى اتراجعت خطوة. من إمتى؟ من أول مرة شوفتك فيها. اتجمدت مكانها. يعني لما جيت المطعم... كنت عارف أنا مين؟ كنت شاكك. وطلبت تجيبني عندك ليه؟ ياسين بص في الأرض لحظة. عشان أتأكد. سلمى حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها. اتأكد من إيه؟ قبل ما يرد، محمود ظهر من بعيد وهو بيجري. سلمى! لفت له. كان ماسك حاجة في إيده. لقيت ده في العربية. رفع مفتاح صغير جدًا. كان واقع تحت الكرسي اللي كانت قاعدة عليه والدتك. نوال أول ما شافته شهقت. المفتاح ده... محمود قال يفتح إيه؟ نوال ما ردتش. فؤاد، اللي كان لسه واقف بعيد، قال بهدوء يفتح المكان اللي سليم خبّى فيه آخر دليل. ياسين بص له. إنت كنت عارف بالمفتاح؟ فؤاد ابتسم. أنا اللي اديته لسليم. سلمى خطفت المفتاح من إيد محمود. فين المكان؟ فؤاد أشار ناحية ياسين. اسألي صاحب البيت. سلمى بصت لياسين. بيتك؟ ياسين ما جاوبش. فؤاد قال المكان اللي مات فيه أبوكي. نوال صرخت لأ! لكن سلمى كانت خلاص قررت. أنا رايحة هناك. ياسين حاول يمنعها. مش دلوقتي. لأ... دلوقتي. سلمى، المكان ده مش آمن. بصت له بثبات. بعد اللي سمعته النهارده، أنا مبقتش عارفة مين الآمن ومين الخطر. ثم رفعت المفتاح قدامه. بس عندي إحساس إن المفتاح ده هيجاوب على كل الأسئلة. ياسين سكت. وبعد لحظات قال اركبي. ركبت سلمى. نوال ركبت جنبها، ومحمود قعد قدام. أما فؤاد... فركب عربية تانية ومشي وراهم. بعد حوالي نص ساعة، وصلوا لفيلا قديمة مهجورة. سلمى أول ما نزلت، قلبها دق بسرعة. المكان كان غريبًا... هي شافته قبل كده. لكن مش في الحقيقة. في صورة. صورة أبوها. نفس السور. نفس الشجرة. ونفس النافذة المقفولة. قالت بصوت مرتجف أنا أعرف المكان ده. ياسين بص لها. مستحيل. شفته في حلم. نوال شهقت. سليم كان بيوريكي المكان ده وإنتِ صغيرة. سلمى بصت لها. إزاي وأنا مش فاكرة؟ نوال دموعها نزلت. لأن أبوكي طلب مني أنسيكي كل حاجة. وصل فؤاد عند البوابة. وبص لسلمى وقال عشان لو افتكرتي... كانوا هيقتلوكي. وفجأة... صوت قفل معدني اتفتح من جوه الفيلا. ياسين حط إيده على سلاحه. محدش يتحرك. لكن الباب اتفتح لوحده. وعلى الأرض قدامهم... كان فيه ظرف أسود. وفوقه ورقة مكتوب عليها بخط سليم ليان... لو وصلتي هنا، يبقى ياسين عرف الحقيقة... وأنا متأكد إن اللي قتلني هيكون وراكي الظرف الأسود وقع قدام رجلين سلمى. مدّت إيدها ناحيته، لكن ياسين مسك إيدها بسرعة. استني. بصت له بغضب. إنت خايف من إيه؟ مش عارف اللي جواه. فؤاد رد من وراهم أنا عارف. ياسين لف له. وإنت آخر واحد المفروض يتكلم. فؤاد ابتسم. لأنك لو فتحته قدامها، هتضطر تحكي لها عن اللي حصل ليلة 14 أكتوبر. سلمى سحبت إيدها من ياسين. أنا اللي هفتحه. انحنت وأخذت الظرف. كان مقفول بختم شمع قديم. لكن الغريب إن الختم كان عليه نفس العلامة الموجودة في المفتاح. حطت المفتاح في القفل الصغير الموجود أسفل الظرف. تك. اتفتح. جواه ورقة واحدة... وصورة. سلمى مسكت الصورة أولًا. اتجمدت. كانت صورة قديمة لها وهي طفلة صغيرة، واقفة جنب أبوها قدام نفس الفيلا. لكن في الصورة كان فيه شخص رابع واقف بعيد. وشه مش واضح. قلبت الصورة. كان مكتوب الرجل اللي واقف ورا سلمى هو الوحيد اللي كان يعرف الحقيقة كاملة. محمود قرب. بس مين ده؟ فؤاد بص للصورة، وملامحه اتغيرت لأول مرة. سليم كان فاكر إنه يقدر يخبي الموضوع. سلمى رفعت عينيها له. موضوع إيه؟ قبل ما يرد، نوال قالت بصوت مرتعش سلمى... سيبي الصورة. لأ يا ماما. أرجوكي. طول عمري بتقوليلي أبوكي مات في المستشفى. نوال دموعها نزلت. كنت خايفة عليكي. من مين؟ نوال سكتت. وفجأة سمعوا صوت حركة جوه الفيلا. ياسين رفع إيده. الجميع سكت. صوت خطوات... بطيئة... جاية من الطابق العلوي. ياسين همس محدش يتحرك. لكن سلمى بصت لفوق. كان فيه ظل شخص ظهر للحظة خلف سور السلم. ثم اختفى. محمود قال إحنا مش لوحدنا. ياسين طلع سلاحه وبدأ يطلع السلم. سلمى لحقت بيه. رايحة فين؟ وراك. لأ، خليكي تحت. مش هفضل مستخبية تاني. وصلوا لنهاية السلم. الباب كان مفتوح. دخل ياسين الأول. الغرفة كانت فاضية. إلا من مكتب خشب قديم. وعلى المكتب... كان فيه تسجيل صوتي صغير. ياسين قرب منه. ضغط زر التشغيل. خرج صوت سليم، والد سلمى لو بتسمع التسجيل ده... يبقى أنا مت. سلمى حطت إيدها على بوقها. الصوت استمر ياسين، لو أنت اللي سمعت التسجيل... يبقى سامحني. أنا ماخنتكش. ياسين تجمد. ثم جاء الجزء اللي خلّى سلمى تنظر إلى أمها في صدمة ونوال... لو بنتي معاك، ماتقوليلهاش الحقيقة إلا لما تبلغ تمانية وعشرين سنة. سلمى همست أنا عندي تمانية وعشرين... وفجأة انقطع التسجيل. ثم اشتغل صوت آخر من نفس الجهاز. صوت رجل مختلف تمامًا للأسف... هي عرفت قبل الموعد. ياسين بص لفؤاد. فؤاد نفسه كان واقف عند الباب... وشه شاحب. ثم قال الصوت ده... سكت. سلمى قربت منه. تعرفه؟ فؤاد بص لها مباشرة. أيوه. مين؟ فؤاد قال أخطر شخص في القصة كلها. وفجأة... وصلت رسالة على هاتف سلمى. رقم مجهول. فتحتها. كانت صورة حديثة... لها هي وياسين وهما واقفين قدام الفيلا. وتحت الصورة جملة واحدة لو دخلتوا الغرفة اللي تحت الأرض... هتعرفي مين أبوكي كان بيحمي سلمى فضلت باصة للموبايل، وصوابعها بتترعش. ياسين أخد التليفون منها. الرسالة دي اتبعتت دلوقتي؟ أيوه. فؤاد قرب منه وبص للصورة. معناها إن الشخص ده جوه الفيلا. محمود بص حواليه. جوه؟! وفجأة سمعوا صوت خبطة قوية جاية من تحت الأرض. دَوِيّ! نوال شهقت. لأ... سلمى بصتلها. إيه اللي تحت؟ نوال حطت إيدها على صدرها. أبوكي كان مانع أي حد يدخل المكان ده. ياسين قال المكان تحت الأرض مش مجرد مخزن. أمال إيه؟ ياسين سكت. فؤاد رد بدلًا منه كان غرفة اجتماعات. سلمى بصت له. اجتماعات لمين؟ فؤاد قال لأبوك... ووالد ياسين... وشخص ثالث. سلمى افتكرت الصورة القديمة. الشخص اللي وشه مش ظاهر. الشخص اللي في الصورة؟ فؤاد هز راسه. أيوه. ياسين قال بسرعة ننزل. نوال مسكت إيده. ياسين، لو نزلتوا... لازم نعرف مين سبقنا للمكان. دخلوا غرفة المكتب. محمود لاحظ لوحة معلقة على الحائط. استنوا. حرك اللوحة. ظهر خلفها تجويف صغير. جواه درج حديد. ياسين فتحه بمفتاح كان في جيبه. سلمى بصت له باستغراب. إنت كان معاك مفتاح؟ ده مفتاح البيت. لأ... المفتاح اللي معاك مش مفتاح الباب. ياسين سكت. فؤاد ابتسم. سليم كان واثق إنك هتوصلي للحظة دي. سلمى قربت. افتحه. ياسين فتح الدرج. جواه ورقة قديمة ومفتاح أكبر. وعلى الورقة جملة واحدة المفتاح الصغير يفتح الحقيقة... والمفتاح الكبير يفتح الخطر. محمود قال واضح إن أبوكي كان بيحب الألغاز. سلمى أخدت المفتاح الكبير. وأنا هفتح. نزلوا للسرداب. السلم كان ضيق ومظلم. كل خطوة كانت بتعمل صدى غريب. وفي آخر السلم ظهر باب حديد. لكن الباب كان مفتوح. ياسين رفع سلاحه. دخل الأول. الغرفة كانت شبه فاضية. كرسيين... مكتب... وخزنة قديمة. لكن على الحائط كانت فيه كتابة بخط سليم لو وصلت يا ياسين، متثقش في فؤاد. الجميع بص لفؤاد. فؤاد ما اتكلمش. سلمى بصت لياسين. ثم للكتابة. ثم لفؤاد. وفجأة... الخزنة أصدرت صوتًا. تك... تك... تك... وكأن حد من جوه بيحاول يفتحها. سلمى اتراجعت. محمود همس مستحيل... ياسين قرب من الخزنة. وقبل ما يلمسها... جاء صوت مسجل من السماعة الموجودة فوق المكتب لو سمعتوا التسجيل ده... يبقى واحد منكم خان سليم. وسكت الصوت لحظة. ثم أضاف لكن الخيانة مش من الشخص اللي فاكرينه الباب الحديدي اتقفل وراهم، وصوت القفل دوّى في السرداب. سلمى جريت ناحية الباب وخبطت عليه. افتحوا! حد سامعني؟! مفيش رد. ياسين شدها بعيد عن الباب. اهدي. أهدى إزاي وإحنا محبوسين تحت الأرض؟! فؤاد كان واقف في مكانه، ساكت تمامًا. محمود بص له. إنت عارف مخرج تاني؟ فؤاد رد كان فيه. سلمى بصت له بسرعة. كان فيه؟ أبوكي عمل ممر تاني... بس من سنين وأنا مش عارف إذا كان لسه مفتوح. ياسين قرب منه. وريني. فؤاد أشار للحائط المقابل. ورا الرف ده. محمود وياسين زقوا الرف بصعوبة، فظهر باب صغير مخفي. لكن الباب كان عليه قفل صدئ. سلمى قربت بالمفتاح الكبير. حطته في القفل. تك. الباب اتفتح. وراءه ممر ضيق جدًا، والهواء اللي طلع منه كان بارد بشكل غريب. ياسين شغل كشاف موبايله. على الحائط ظهرت كلمات محفورة لو وصلت هنا يا ليان... ما تثقيش في أي حد دخل معاكي. سلمى وقفت مكانها. وبصت للأشخاص اللي حواليها. ياسين. نوال. محمود. فؤاد. كل واحد فيهم بقى فجأة احتمال يكون هو المقصود. لكن قبل ما تتكلم... جاء صوت من آخر الممر. صوت رجل ليان... سلمى تجمدت. الصوت ناداها مرة تانية ليان... أنا مستنيكي من سنين. ياسين رفع سلاحه ناحية الظلام. مين هناك؟ ضحكة قصيرة خرجت من آخر الممر. ثم ظهر ضوء خافت. وشخص بدأ يقترب ببطء. نوال شهقت أول ما شافته. مستحيل... سلمى بصت لأمها. تعرفيه؟ نوال كانت بتترعش. ده... وسكتت. الرجل وقف تحت الضوء. وكان ماسك في إيده صورة قديمة لسليم. ثم قال أنا آخر شخص شاف أبوكي حي. سلمى قربت خطوة. مين قتله؟ الرجل ابتسم. السؤال الغلط يا ليان. ثم رفع الصورة. السؤال الصح... وسكت لحظة. ليه أبوكي طلب مني أزوّر خبر موته أصلًا؟الغرفة كلها سكتت. سلمى بصت لفؤاد. يعني مين اللي خان أبويا؟ فؤاد ما ردش. ياسين قرب من الخزنة، لكن قبل ما يلمسها، سلمى لاحظت حاجة على المكتب. ورقة صغيرة تحت جهاز التسجيل. سحبتها بسرعة. كان مكتوب عليها الخائن مش اللي قتل سليم... الخائن هو اللي خلّى سليم يثق في القاتل. محمود قال يعني فيه شخص قرّبه من أبوها؟ ياسين بص لفؤاد. وإنت كنت قريب من سليم. فؤاد رد بهدوء كنت قريب منه، آه. وكنت تعرف كل تحركاته. مش كل تحركاته. سلمى بصت بينهم. حد فيكم بيكدب. وفجأة الخزنة أصدرت صوتًا تاني. تك... الباب اتحرك سنتيمتر. ياسين رجع سلاحه. محدش يقرب. لكن الخزنة فتحت لوحدها. جواها كان فيه ملف بني قديم، وفوقه شريط تسجيل. سلمى مدت إيدها للملف. أول ورقة كانت نسخة من شهادة ميلاد. اسم الأب سليم الجبالي. اسم الأم نوال عبد الرحمن. لكن اسم الطفلة كان ليان سليم الجبالي. سلمى شهقت. أنا فعلًا بنت الجبالي؟ نوال غمضت عينيها. ياسين وقف مكانه. فؤاد قال بصوت منخفض وده كان السبب الحقيقي اللي خلّى سليم يخفيها. سلمى قلبت الورقة. كان فيه ختم أحمر كبير سري للغاية. وتحت الختم ملاحظة بخط اليد في حالة وفاة سليم، يتم تسليم الملف إلى ياسين فقط. سلمى بصت لياسين. ليه إنت؟ ياسين أخد نفس طويل. لأن أبوكي كان واثق فيا. فؤاد قاطعه لا. ياسين لف له. إيه؟ فؤاد قال سليم وثق فيك... لكن مش عشان تحمي بنته. سلمى بصت له. أمال عشان إيه؟ فؤاد أشار للشريط. شغليه. محمود حط الشريط في الجهاز. ثواني من التشويش... ثم خرج صوت سليم. كان واضح إنه بيتكلم وهو مرهق جدًا ياسين... لو أنت بتسمع ده، يبقى أنا ماقدرتش أوصل للحقيقة بنفسي. سلمى قربت من الجهاز. الشخص اللي بيدور ورايا مش عايز فلوسي... الصوت توقف لحظة. ثم قال هو عايز حاجة أخطر... عايز يثبت إن ليان مش بنتي. سلمى شهقت. نوال حطت إيدها على بوقها. وياسين بص لها بصدمة. الصوت استمر ولو قدر يثبت ده... هيقدر ياخد كل حاجة باسم العيلة. فجأة الشريط انقطع. محمود ضغط الزر تاني. مفيش صوت. سلمى بصت لياسين. يعني الموضوع كله ورث؟ ياسين هز راسه ببطء. مش ورث وبس. أمال إيه؟ قبل ما يرد، فؤاد قال السلطة. ثم أشار إلى الملف. لأن والدك كان ماسك سر يقدر يوقع ناس كتير. سلمى فتحت آخر صفحة. كان فيها اسم واحد فقط. نفس الاسم اللي كان محاط بدائرة في الدفتر. فؤاد. رفعت عينيها للرجل العجوز. إنت الخائن؟ فؤاد ما أنكرش. لكنه قال جملة واحدة أنا كنت الخائن... قبل ما أعرف إن أبوكي كان بيحاول ينقذني. وفجأة... انطفأت أنوار السرداب كلها. وفي الظلام... جاء صوت باب حديد بيتقفل من الخارج. كليك. سلمى صرخت إحنا اتحبسنا!الرجل اللي ظهر وراهم كان محمود. لكن محمود اللي كان واقف قدامهم مش نفس محمود اللي يعرفوه... كان ماسك مسدس، ووشه متوتر بشكل عمر سلمى ما شافته عليه. ياسين رفع سلاحه فورًا. حط اللي في إيدك على الأرض. محمود بص له، ثم قال أنا مش جاي أضركم. سلمى بصت له بصدمة. أمال إنت جاي تعمل إيه؟ محمود قرب خطوة. جاي آخد الحاجة اللي أبوكي خبّاها. فؤاد صرخ محمود! محمود لف له. ماتنطقش اسمي بالطريقة دي. سلمى رجعت خطوة. إنت تعرف أبويا منين؟ محمود سكت. ياسين قال هو مش مجرد واحد اشتغل معاها في المطعم. محمود بص لياسين. وإنت كنت عارف؟ من أول يوم. سلمى اتصدمت. يعني إنت كمان كنت بتراقبني؟ محمود هز راسه. لأ... أنا كنت بحميكي. من مين؟ محمود بص ناحية الرجل الغريب. منه. الرجل ابتسم بسخرية. لسه بتحاول تحميها بنفس الطريقة؟ سلمى بصت للرجل. إنت مين أصلًا؟ الرجل رد اسمي حازم. ثم بص لمحمود. ومحمود كان واحد من رجالي زمان. سلمى شهقت. محمود قال بسرعة كنت مجبر. مجبر على إيه؟ كنت صغير... وأبوكي أنقذني من قضية كبيرة. ومن يومها اشتغلت معاه. حازم ضحك. قول لها الحقيقة كلها. محمود سكت. سلمى قربت منه. إيه الحقيقة؟ محمود أخد نفس طويل. أنا كنت موجود ليلة وفاة أبوكي. نوال صرخت مستحيل! محمود بص لسلمى. وشوفته آخر مرة قبل ما يختفي. سلمى همست يختفي؟ محمود هز راسه. أيوه. ياسين قرب منه. يبقى إنت كنت عارف إنه ما ماتش. محمود رد كنت عارف إنه خرج حي من بيتك. سلمى بصت لياسين. وفضلت ساكت كل السنين دي؟ ياسين قال لأني كنت فاكر إن أبوكي هو اللي اختفى وخانني. محمود مد إيده ببطء ناحية جيبه. بس أبوكي قبل ما يختفي... اداني حاجة. طلع مفتاحًا صغيرًا جدًا. وقال وقال لي لو ليان وصلت لسن 28، سلّم المفتاح لياسين. ياسين بص للمفتاح. ثم قال محمود لكني غيرت رأيي. سلمى سألت ليه؟ محمود رفع عينه ليها. لأن أبوكي ماكانش بيخاف على نفسه... وسكت لحظة. كان بيخاف إنك تعرفي مين أمك الحقيقية الرجل ابتسم ابتسامة غريبة. أبوكي كان عارف إنه مستهدف... فقرر يختفي قبل ما يقدروا يوصلوا له. سلمى قربت منه. يعني أبويا عايش؟ الرجل سكت. نوال صرخت قول الحقيقة! الرجل بص لنوال، ثم لسلمى. أنا قلت إنه زوّر خبر موته... ما قلتش إنه عاش. سلمى اتوترت. يعني إيه؟ ليلة 14 أكتوبر، أبوكي خرج من بيت ياسين وهو عارف إن حد بيراقبه. سلّمني ظرف، وطلب مني أوصل رسالة ليكي لما تكبري. ياسين سأله ليه ماوصلتهاش؟ الرجل رد لأن الرسالة كانت هتقتلها لو وصلت قبل وقتها. فؤاد تدخل إنت بتقول كلام ناقص زي عادتك. الرجل بص له. وإنت مالك؟ إنت آخر شخص له حق يتكلم عن سليم. سلمى بصت لفؤاد. إنت عملت إيه لأبويا؟ فؤاد نزل عينيه. خذلته. إزاي؟ كنت بشتغل معاه... لكن في يوم سلّمت معلومة لشخص ماكانش المفروض يعرفها. ياسين شد قبضته. المعلومة دي كانت مكان سلمى. فؤاد هز راسه. أيوه. سلمى اتراجعت. يعني إنت السبب؟ فؤاد قال بصوت مكسور أنا السبب إنهم عرفوا إنها موجودة... لكن أبوكي هو اللي أنقذها. وفجأة الرجل الغريب رفع الصورة. لكن فيه حاجة محدش قالهالك. فتح الصورة من الخلف، وطلع ورقة صغيرة مخبّية داخلها. ناولها لسلمى. قرأت ليان، لو رجعتي للفيلا يومًا، دوري على الغرفة اللي ما دخلهاش ياسين من يوم وفاة والده. سلمى رفعت عينيها. إيه الغرفة دي؟ ياسين شحب وجهه. الرجل قال غرفة والد ياسين. ياسين بص له بحدة. مستحيل. ليه؟ لأنها اتحرقت بالكامل بعد وفاة أبويا. الرجل ابتسم. لأ. ثم أشار إلى آخر الممر. الغرفة دي ما اتحرقتش. سلمى بصت ناحية الظلام. أمال إيه اللي اتحرق؟ الرجل قال الحاجة اللي كانت جواها. وفجأة... سمعوا صوت مفتاح بيتحرك في باب بعيد. تك... تك... ثم صوت خطوات اقتربت منهم. خطوة... خطوة... خطوة... حتى وقف شخص خلفهم وقال كفاية أسرار. سلمى استدارت ببطء... واتجمدت مكانها لما شافت مين اللي واقف وراهم الطلقة دوّت في النفق، وصداها رجّ المكان كله. سلمى صرخت محمود! لكن قبل ما تقع من الخوف، ياسين شدّها ورا الحائط. انزلي! حمدي اتحرك ناحية الصوت، وفؤاد مسك نوال وسحبها للجانب. ثواني مرّت... ولا حد اتكلم. ثم سمعوا صوت خطوات بتتحرك بسرعة ناحية المفتاح. محمود كان واقع على الأرض، لكنه صاح المفتاح... ماتخلوهمش ياخدوه! سلمى لمحت المفتاح على الأرض، فاندفعت ناحيته. وفي اللحظة اللي انحنت فيها، إيد مجهولة ظهرت من الضلمة وخطفت المفتاح! سلمى رفعت عينيها... وشافت رجل لابس معطف أسود واقف قدامها. قال بهدوء أبوكي كان متوقع إنك هتوصلي هنا. سلمى تراجعت. إنت مين؟ الرجل قرب خطوة. الشخص اللي كان بيحاول يمنع أبوكي من ارتكاب أكبر غلطة في حياته. ياسين صوب سلاحه عليه. سيب المفتاح. الرجل ضحك. إنت لسه فاكر إن المفتاح هو المشكلة؟ ثم رفع المفتاح قدام عينيه وقال المفتاح ده مش هيفتح الغرفة. ياسين سأله أمال هيفتح إيه؟ الرجل بص لسلمى مباشرة. هيفتح حساب بنكي باسم ليان سليم الجبالي. سلمى اتجمدت. حساب باسمي؟ نوال بدأت تبكي. يا رب... الرجل تابع وفي الحساب ده فلوس مش فلوس أبوكي بس... ثم سكت لحظة. فيه دليل على إن والد ياسين اتقتل قبل أبوكي بشهور. ياسين وشه اتغير. إنت بتكدب. الرجل هز راسه. لو كنت بكذب... ليه أبوك كتب بنفسه إن القاتل موجود جوه عيلته؟ الصمت نزل عليهم. وفجأة محمود، وهو لسه على الأرض، قال بصوت ضعيف مش جوه عيلته... الجميع بص له. محمود رفع عينيه ناحية نوال. جوه البيت اللي كانت عايشة فيه سلمى وهي طفلة. نوال شهقت. سلمى بصت لأمها. ماما... إنتِ مخبية عني إيه؟ نوال حاولت تتكلم، لكن صوتها ماطلعش. وفجأة... من بعيد، اتسمع صوت باب حديد بيتفتح. والرجل صاحب المفتاح ابتسم وقال خلاص... صاحب البيت وصل سلمى حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجليها. أمي الحقيقية؟! نوال غمضت عينيها، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم. سلمى بصت لها ماما... إنتِ قلتيلي إنك أمي! نوال ردت بصوت مكسور وأنا فعلًا أمك يا ليان... بس الحكاية مش زي ما فهمتي. ياسين قرب من نوال. مين اللي قالك تخبي عنها؟ نوال بصت له، وقالت أبوها. حازم ضحك من بعيد. لأ... أبوها ماكانش الوحيد. محمود شد قبضته على المفتاح. حازم، كفاية. حازم قال بهدوء هي لازم تعرف قبل ما تدخل الغرفة. سلمى التفتت له. أي غرفة؟ حازم أشار للمفتاح. الغرفة اللي اتحرقت ليلة وفاة والد ياسين. ياسين اتجمد. المفتاح ده... حازم ابتسم. أيوه. ثم بص لسلمى وقال المفتاح ده مش بيفتح باب. سلمى سألته أمال بيفتح إيه؟ حازم رد بيفتح حقيقة اتدفنت من تلاتين سنة. وفجأة، سمعوا صوت عربية بتقف فوقهم. ثم صوت أبواب عربيات بتتقفل. واحد... اتنين... تلاتة... ياسين رفع سلاحه وبص لحمدي. إحنا مش لوحدنا. حمدي بص ناحية مدخل النفق وقال في رجالة نازلة. حازم ابتسم ابتسامة غريبة. وصلوا أسرع مما توقعت. سلمى بصت له. مين؟ حازم قال الناس اللي أبوكي كان بيهرب منهم. وفجأة انطفى النور. وفي الضلمة، اتسمع صوت رجل من آخر النفق ليان... لو عايزة تعرفي مين أمك الحقيقية، ماتسمعيش كلام ياسين. ثم اتسمع صوت طلقة واحدة... وسقط المفتاح من إيد محمود الباب الحديدي اتفتح ببطء... والشخص اللي دخل خلّى الكل يسكت. كان ياسين نفسه. سلمى بصت له باستغراب إنت هنا إزاي؟ ياسين ما ردش، لكنه بص للرجل اللي ماسك المفتاح وقال انتهت اللعبة يا حازم. حازم ابتسم. متأخر يا ياسين. وفجأة نوال وقعت على الكرسي وهي بتبكي. خلاص... لازم تعرف يا ليان. سلمى قربت منها قولي. نوال مسحت دموعها وقالت أنا أمك فعلًا... لكن أبوكي كان اسمه سليم الجبالي، وكان أخو والد ياسين من الأم. سلمى اتجمدت. يعني ياسين لم يكن غريبًا عن عائلتها... بل كان ابن عمها. نوال أكملت والد ياسين وسليم كانوا شركاء. لكن والد ياسين اكتشف إن واحد من أقرب الناس للعيلة كان بيزوّر أوراق الشركة وبيخطط يسيطر عليها. ولما حاول يكشفه، اتقتل. ياسين قال وأبوكي عرف الحقيقة. وعشان كده اختفى؟ أيوه. محمود أخرج ورقة قديمة من جيبه. أبوكي سلّمني دي قبل ما يختفي. فتحها ياسين. كانت اعترافات كاملة، وأسماء وتحويلات مالية وتسجيلات تثبت إن حازم كان العقل المدبر لكل اللي حصل. حازم حاول يهرب، لكن حمدي أمسكه. صرخ حازم أبوكي كان لازم يموت من زمان! سلمى بصت له يعني هو اللي قتله؟ هز حازم رأسه حاولت... لكن سليم هرب. سلمى شهقت. هرب؟! وفجأة دخل رجل مسن من الباب الخلفي. سلمى بصت له... وتجمدت. الرجل ابتسم والدموع في عينيه. وحشتيني يا ليان. صوتها خرج مرتعش بابا؟ سليم فتح ذراعيه. سامحيني إني سيبتك كل السنين دي. جريت عليه سلمى وانهارت في حضنه. وفي اللحظة دي فهمت كل حاجة... أبوها ماخانش حد. وماكانش ميت. كان مختفي طول السنين دي علشان يحميها، ويحمي أمها، ويحافظ على الدليل لحد ما تكبر وتقدر تواجه الحقيقة. أما الغرفة اللي اتحرقت، فكان بداخلها كل السجلات القديمة... ولذلك اتقال إن الغرفة اتحرقت، بينما الحقيقة إن الأوراق اللي جواها هي اللي اتحرقت، والنسخة الأصلية كان سليم مخبيها في مكان تاني. بعد القبض على حازم، ظهرت الحقيقة كاملة، وبرئت سمعة سليم. أما ياسين، فسلّم إدارة الشركة لمجلس قانوني مستقل، ورفض يكمل الطريق اللي بدأه والده. ومحمود رجع للمطعم، لكن المرة دي ماكانش مجرد زميل لسلمى... كان شاهدًا على الحقيقة اللي أنقذت عيلتها. وبعد شهور، رجعت سلمى تقف في مطعم ليالي النيل. لكن المرة دي ماكانتش بترقص علشان تلفت نظر حد. كانت بترقص لأنها أخيرًا... اتحررت من سر عاش معاها طول عمرها. وقبل ما تطلع على المسرح، لقت ظرف صغير على الكرسي. فتحته. جواه صورة قديمة لأبوها وهي طفلة. وعلى ظهر الصورة مكتوب بعض الأسرار بتحمينا... لكن الحقيقة، مهما اتأخرت، بتعرف طريقها لأصحابها سلمى بصّت للرجل اللي واقف قدامها، وقلبها كان بيخبط بعنف. الرجل قال أنا سليم... أبوكي. سلمى ماقدرتش تستوعب. بس... ماما قالت إنك مت! نوال انهارت في البكاء كنت مضطرة يا بنتي... لو عرفوا إنه عايش، كانوا هيقتلوه قدامك. سليم قرب منها وقال أبوكي ماخانش حد يا ليان. أنا اختفيت بإرادتي، عشان أحميكي من الناس اللي كانوا عايزين يوصلوا لفلوس وأسرار العيلة. ياسين كان واقف ساكت، لحد ما سليم حط قدامه ملف قديم. ده الدليل على كل حاجة. فتح ياسين الملف، وظهرت فيه تحويلات مالية وتوقيعات وشهادات تثبت إن حازم كان بيزوّر حسابات الشركة وبيحاول يوقع بين سليم ووالد ياسين. والأخطر... كان فيه تسجيل بصوت والد ياسين قبل وفاته لو حصل لي حاجة، يبقى حازم هو السبب. وسليم هو الوحيد اللي أمنت له على الحقيقة. ياسين غمض عينيه بحزن. فهم أخيرًا إن أبوه مات وهو فاكر إن سليم خانه، بينما الحقيقة إن سليم كان بيحاول يحميه. حازم اتقبض عليه، وكل الأدلة اتسلمت للشرطة. أما فؤاد، فاعترف إنه في الماضي سرّب مكان سليم تحت التهديد، لكنه قضى السنين اللي بعدها يحاول يصلح غلطته. وبعد شهور، رجعت الحياة تهدى. سلمى بقت عايشة مع أمها وأبوها، ولأول مرة في حياتها ماكانش عندها سؤال عن والدها ولا خوف من ماضيه. أما ياسين، فأنهى كل الأعمال المشبوهة اللي ورثها، وبدأ يبني الشركة من جديد بشكل قانوني. وفي يوم، رجعت سلمى لمطعم ليالي النيل. وقفت وسط القاعة، وبدأت ترقص نفس الرقصة اللي لفتت نظر ياسين أول مرة. لكن المرة دي... ماكانش في خوف، ولا أسرار، ولا حد بيطاردها. كانت بترقص لأنها أخيرًا حرة. وبعد ما خلصت، لقت ظرف صغير على الترابيزة. فتحته. كانت جواه صورة قديمة لها وهي طفلة، واقفة بين أبوها وأمها. وعلى ظهر الصورة جملة بخط أبوها لو وصلتي لليوم ده، يبقى أنا نجحت في أهم مهمة في حياتي... إني أحمي بنتي لحد ما الحقيقة تبقى أقوى من الخوف. ابتسمت سلمى وسط دموعها. ولأول مرة... ماكانتش ليان بنت السر. كانت سلمى، بنت الحقيقة.