في عزومة شم النسيم روايات رولا

في عزومة شم النسيم في حديقة الأسماك بالزمالك، أمي قالت بكل برود: “المرة الجاية، ما تجيبوش الواد معاكم”. ما حدش من العيلة نطق ولا دافع عن ابني، لحد ما بنتي الكبيرة زقت الكرسي لورا وقالتلها: “عيدي الكلمة دي تاني كده!”. الكل سكت تمامًا.. وفي اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت.
”المرة الجاية… ما تجيبوش الواد معاكم.”
أمي قالتها وهي رايقة وبمنتهى الطبيعية.
من غير زعيق.
من غير عصبية.
حتى إنها ابتسمت، وكأنها بتتكلم عن الجو الحلو بتاع النهاردة.
بس كانت باصة في عيني مباشرة.
و”الواد” اللي تقصده…
كان زين.
ابني اللي عنده 6 سنين.
كان قاعد على بعد خطوة واحدة منها، ولسه في حتة شوكولاتة صغيرة على دقنه.
تلاتة وعشرين فرخ من العيلة كانوا حوالين الترابيزة.
جدود.
خالات وعمات.
أخوال وأعمام.
ناس من دمي ولحمي.
ولا واحد فيهم فتح بقه.
فجأة، أبويا بقى مركز ومبهور بشكل الكرسي الخيزران اللي قاعد عليه.
وخالاتي بقوا باصين في الأطباق الفوم اللي قدامهم في صمت مريب.
السكوت كان يخنق.
تقيل لدرجة إنه كتم النفس في صدري.
بقالي سنين…
أنا اللي شايلة العيلة دي على كتافي.
أنا اللي بدفع لتصليح الغسالة اللي باظت.
أنا اللي بغير كاوتش العربية للاستاذ.
أنا بتاعة سد الديون والزنقات الطارئة.
أول ما تحصل مصيبة في العيلة…
تليفوني أنا أول واحد يرن.
كنت بعدي وأستحمل كل حاجة.
عشان عشت عمري كله مصدقة كذبة تودّي في داهية:
“الأهل أولاً.. والعيلة سند.”
ولسه بفتح بوقي عشان أعتذر…
زي ما متعودة أعمل دايماً…
سمعنا صوت كرسي بيتجرّ بعنف على الأرض.
ملك.
بنتي اللي عندها 13 سنة.
وقفت بطولها.
ما عيطتش.
ما صرختش.
بصت في عين جدتها بكل قوة وقالت:
“عيدي اللي قولتيه تاني كده.”
صوتها كان هادي بشكل يرعب.
أمي ضحكت باستهزاء:
“جرى إيه يا ملك؟”
“اقعدي يا حبيبتي.”
“دي كلام كبار.”
ملك حتى مارمشتش:
“يبقى يا ريت تبدأي تتصرفي زي الكبار.”
الجنينة كلها اتجمدت.
وفجأة زين شد كم عبايتي براحة.
صوته الصغير كان بيرعش وهو بيقول:
“ماما… هي تيتة مش بتحبني؟”
في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت وماتت.
مش بسبب كلام أمي.
لا، بسبب إن ولأول مرة…
ابني الصغير بيسأل نفسه هو يستاهل يتِحب ولا لأ!
الست الغلبانة اللي كانت بتشتري رضاهم وبتدور على السلام جوايا ماتت في السانية دي.
وقفت ببطء.
أخدت في إيدي يحيى وملك.
وبصيت لأمي في عينها:
“إذا كنتِ مش عارفة تعاملي طفل عنده 6 سنين كأنه فرد من العيلة…”
“يبقى أنا كمان ما عنديش أي سبب…”
“يخليني أتعامل معاكي على إنك أمي.”
ما حدش وقفنا.
ما حدش حتى قال كلمة “حقك علينا”.
تلاتة وعشرين بني آدم…
فضلوا متثبتين في مكانهم زي التماثيل وأحنا ماشيين وبنديهم ضهرنا.
كنت فاكرة إن لما أخرج من باب الحديقة دي، الحكاية خلصت.
لكن طلعت غلطانة وعبيطة لأبعد حد.
بعدها بتلات أيام…
الباب خبط بليل متأخر، قبل نص الليل بحاجة بسيطة.
لما فتحت…
ما لقيتش حد واقف.
لقيت كرتونة كبيرة مرمية على الأرض.
جواها…
كانت كل هدايا أعياد الميلاد اللي جبتها ليهم…
كل لبس العيد…
كل حاجة وذكرى حلوة قدمتها للعيلة دي على مدار 15 سنة.
كل حاجة بلا استثناء كانت مقطعة ومكسرة ومتبهدلة.
وعلى وش الكرتونة من فوق…
كانت فيه ورقة مكتوبة بخط الإيد.
جملة واحدة بس:
“طالما خرجتي برا العيلة… ما تستنيش مننا نفتكر إنك كنتِ موجودة في الدنيا أصلاً.”
حملة التشويه اللي اتعملت ضدي كانت درس فظيع في الحرب النفسية.
أمي (باتريس) ألفت رواية خيالية ومتحورة لدرجة تخوف. قدام خالاتي وأعمامي وولاد عمامي، طلعتني أنا البنت الجاحدة، المختلة والمفتريّة، اللي رمت أبوها وأمها الكبار في السن واللي ظروفهم على قدهم، عشان “سوء تفاهم هبل” حصل في خروجة شم النسيم! طبعاً، نسيت خالص تقولهم هي قالت إيه لزين، ومسحت من تاريخها آلاف الجنيهات اللي دفعتها في بيتهم وعلى حسابهم طول السنين اللي فاتت.
دينا (Deanna) حاولت تدافع عني وتصلح صورتي قدام أي حد، بس العيلة كانت خلاص بلعت الطعم وصدقت الكذبة. كان أسهل لهم بكتير يصدقوا إني مجنونة ومفترية، على إنهم يواجهوا الحقيقة المرة بتاعة قسوة أمي.
الضربة القاضية جاتلي من أبويا (جيل). كلمني يوم الخميس بليل، صوته كان تعبان ومكسور:
”يا كنزة (Karen) يا بنتي..” اتنهد وقال: “ما تعدي الموضوع بقى وخلاص؟ أمك ما كانتش تقصد. دي تعبانة ومتبهدلة بقالها أسابيع، والجو في البيت بقى لا يطاق”.
غمضت عيني وضغطت على مناخيري من كتر الوجع: “هي اللي زعلانة يا بابا؟! ابنك الصغير سألني وهو بيعيط لو كان هو طفل وحش وما يستاهلش يتحب! وأنت كنت قاعد على نفس الترابيزة وسامع ودنك، وما هانش عليك حتى تسيب الشوكة من إيدك! أنا بحبك يا بابا، بس مش هقدر أعمى عيني عن إنك أنت كمان بعتنا وخذلتنا”.
الخط سكت تماماً. لمدة دقيقة كاملة وطويلة، ما كانش فيه صوت غير وشوشة الخط. وفي الآخر، همس: “عارف.. عارف إنه كان لازم أقول حاجة”.
دي كانت أكتر جملة صادقة قالها في حياته بقاله عشر سنين. كتمت نفسي وكنت مستنية واملة إن دي تكون اللحظة اللي هيقف فيها ويكون الأب اللي بجد ومحتاجاه.. بس هو اتنهد تاني، وقال كلمتين اعتذار خايبين وقفل السكة. رضا أمي وموافقاتها كان دايماً هو الاختيار الأسهل والأضمن بالنسبة له.
في وسط كل ده، ملك (Marlo) كانت مراقبة كل حاجة. بنتي ذكية ولماحة بشكل يخوف. كانت بتشوفني وأنا باخد نفس طويل وبتنهد قبل ما أفتح رسايل تليفوني، وشافت الفرحة وهي بتطفي في عيني كل ما التليفون يرن.
لحد ما جه الأسبوع التاني من مايو.
كنت بشطب المطبخ بعد العشا، ولقيت ملك داخلة عليا. كانت متوترة من ساعة ما نزلت من أتوبيس المدرسة، عمالة تبص في الموبايل وترميه على الترابيزة كأنه قنبلة موقوتة. وقفت على الباب ومربعة إيديها:
”ماما..” قالتها بصوت مشدود ومش طبيعي: “لازم أوريكي حاجة، وعايزاكي توعديني إنك مش هتنهاري”.
قربت مني وادتني تليفونها في إيدي.
بصيت على الشاشة المنورة.. لقيت شات رسايل طويل جداً. من أمي! أمي اللي كانت مكنسلاني تماماً، غالباً ضغطت على خالتي جيل (Gail) – اللي مالهاش في الخصوصية – وأخدت منها رقم ملك، وبقالها تلات أيام بتبعت رسايل في السر لبنتي اللي عندها 13 سنة!
الرسائل بدأت زي السّم المتغطي بالعسل: “أهلاً يا حبيبة تيتة، وحشتيني أوي”.. بس كل ما بنزل بالرسايل، السّم بيبان. أمي كانت بتحاول، بذكاء وتخطيط، إنها تجند بنتي عشان تبقى جاسوسة لها وضدي! “يا ريت مامتك تسيبني أشوفكم.. مامتك طول عمرها عاطفية وبتاخد الأمور على أعصابها من صغرها، وبتكبر المواضيع وتهولها. ممكن تقعدي معاها وتعقليها عشان خاطري؟”
دمي اتجمد في عروقي. كانت بتحاول تقوّم بنتي عليا وتسرقها مني. والأوسخ من كده، إن في وسط عشرات الرسايل اللي على الشاشة، ما افتكرتش تسأل ولا مرة واحدة عن زين! حفيدها التاني كأنه مش موجود أصلاً في تاريخها المشوه.
بس لما بصيت على الرسايل الزرقاء – ردود ملك عليها – هنا بقى نفسي اتقطع من الصدمة…
ملك بنتي ما خيبتش ظني فيها، وردودها كانت صدمة حقيقية لأمي. لقيتها كاتبة لها:
”يا تيتة، أنا مش هبقى جاسوسة ليكي على ماما. ماما مش بتكبر المواضيع، أنتِ اللي جرحتي أخويا الصغير قدام العيلة كلها وما حدش فيكم فكر يطيّب خاطره. وطالما زين مش مالي عينك ومش بتسألي عنه، يبقى أنا كمان ماليش كلام معاكي. يا ريت ما تبعتيليش هنا تاني عشان أنا هعملك بلوك.”
لما قريت الكلام ده، دموعي نزلت بس المرة دي من الفخر. بنتي اللي عندها 13 سنة علمتني وعلمت العيلة كلها يعني إيه أصل ويعني إيه سند حقيقي.
خدت بنتي في حضني وأنا قوية ومطمنة، وعرفت إن طالما ولادي معايا وبيدعموا بعض، فإحنا مش محتاجين عيلة تبيعنا عند أول محطة. قفلت تليفون ملك، وعملت بلوك لأمي من كل حتة، وقررت إن الصفحة دي اتقفلت من حياتنا وللأبد.