سجين ألزنزانه بقلم اسلام احمد

وانا حارس الزنزانة بتاعت الانفرادي للمجرم المحكوم عليه بالاعدام, سمعت صوت حد معاه جوا, كان بيتكلم هو و حد تاني, وهو اصلا محبوس انفرادي يعني لوحدوا مفيش حد تاني تاني معاه, انا كانت عليا الوردية الليلية , قربت لباب الزنزانة شوية عشان اسمع اكتر وأتأكد هل فعلا في صوت حد تاني و لا انا بيتهيألي, بس لما قربت فعلا سمعت صوت حد تاني معاه, والصدمة ان الصوت اللي كان معاه كان صوت ست, حسيت برعشة في جسمي, قلت لنفسي “ازاي!!”, بصيت من الشباك الصغير الحديد اللي في الباب من فوق,
بصيت من الشباك الصغير الحديد اللي في الباب من فوق، وقلبي كان بيدق زي الطبلة. الزنزانة كانت ضلمة كحل، ومفيش فيها غير لمبة سهاري صفرا وضغيفة يدوب منورة الحيطة المقشرة. ركّزت عيني جامد.. السجين كان قاعد في الركن، مدي ظهره للباب، وراسه بين إيديه وبيتحرك لقدام وورا بانتظام غريب.
المصيبة إني مش شايف أي حد تاني معاه! الزنزانة ضيقة ومفيش فيها حتة يستخبى فيها كتكوت، بس الصوت كان لسه شغال! صوت الست كان واطي، نبرته هادية بس باردة وتجيب القشعريرة، كانت بتتكلم بسرعة وكلامها مش مفهوم، زي ما تكون بتقرأ طلاسم أو بتمليه كلام وهو بيحرك راسه ويقول “حاضر.. حاضر”.
أنا خفت.. رجعت خطوة لورا وإيدي على سلاحي. سحبت نفس طويل وقلت لنفسي: “جمد قلبك يا فوزي، دي تخاريف قلة نوم”. قسيت قلبي ورحت ضارب الباب الحديدي برجلي ضربة قوية عملت صدى صوت يرعب في الممر كله، وزعقت بأعلى صوت عندي:
“مين عندك جوة يا مسجون؟! ارفع إيدك واقف مكانك!”
الصوت انقطع فجأة. السكون اللي حل في الممر كان مرعب أكتر من الصوت نفسه.
المسجون وقف ببطء شديد، من غير ما يلتفت لي، وفضل واقف وضهره ليا. سألته تاني بزعيق بس صوتي كان بيترعش: “بكلمك يا مجدع أنت! مين اللي كان بيكلمك؟!”
التفت ليا ببطء.. وفي ضوء اللمبة الأصفر، شفت وشه. مكنش باين عليه الخوف، كان باهت تماماً وعينيه واسعة ومبرقة بطريقة مش طبيعية، وبصلي وابتسم ابتسامة باهتة وقالي ببرود: “محدش معايا يا سيدي.. أنا لوحدي بقالي شهر هنا، أنت نسيت؟”
أنا متأكد مليارات في المية إني سمعت ست! لسه هرد عليه وأشتمه، لقيت جهاز اللاسلكي اللي في حزامي شوشر فجأة وطلع منه صوت خروشة جامدة، وبعدها.. نفس صوت الست اللي كانت جوة الزنزانة طلع من اللاسلكي بتاعي! وبنفس النبرة الباردة قالت: “هو مش لوحده..”.
اتنفضت ومسكت اللاسلكي وأنا مش مصدق، وجيت أرد على غرفة القيادة أبلغهم، لقيت الكهرباء قطعت في الممر كله مرة واحدة.. ضلمة تامة وعتمة متقشعش فيها صباعك. في نفس اللحظة، سمعت صوت قفل الباب الحديدي بتاع الزنزانة وهو بيتفتح ببطء.. “تيك.. تيك.. صريييير”..
والأغرب من كده، إني حسيت بنَفَس دافي وريحة تراب قديم ورا ودني بالظبط في الضلمة، وصوت الست همس في ودني مباشرة: “الوردية بتاعتك خلصت يا فوزي..”!
