شق في الجدار

الفصل الأول شق في جدار الروح
أحيانًا، لا تأتي الطعنات من الأعداء في ساحات المعارك، بل تولد داخل الغرف الدافئة، وتُصاغ بكلمات الأقربين. كانت الساعة تشير إلى العاشرة من صباح يوم الثلاثاء، والشمس تتسلل على استحياء من خلف ستائر الغرفة لتلقي بظلالها الباهتة على الفستان الأبيض المفرود فوق الفراش. ذلك الفستان الذي لم يكن مجرد قماش ودانتيل، بل كان كفنًا ل حلم قديم طُوي قبل أن يولد. كانت منى تطبق أطرافه بهدوء قاټل، أصابعها ترتجف لكن وجهها كان ك لوح من الثلج، حين طرقت والدتها الباب ودخلت دون استئذان. لم تنظر الأم في عيني ابنتها، بل وضعت ظرفًا ثقيلاً، أوف وايت، على حافة الفراش، واستدارت لتغادر وهي تقول بنبرة مصطنعة البرود هذا وصل الآن من مصلحة البريد.. زفاف أختك يارا الشهر القادم، وأتمنى ألا تثيري المشاكل في البيت.
انسحبت الأم، وبقيت منى وحدها مع الظرف الذي كانت تفوح منه رائحة عطر مألوف، عطر طارق. التقطت الظرف ب أنامل متيبسة، فتحته لتجد الحروف الذهبية البارزة تتراقص أمام عينيها ك شياطين صغيرة يسعدنا دعوتكم لحضور زفاف طارق ويسري ويارا…. غارت الكلمات في صدرها، وأحست بأن الأرض تميد تحت قدميها. طارق، الرجل الذي أمضت معه ثلاث سنوات من عمرها، خطيبها السابق الذي جثا على ركبته في ذلك المطعم الفاخر أمام العائلة كلها ليعدها بالحب الأبدي، يتزوج اليوم أختها الصغرى المدللة، يارا. يارا البنت التي لم تتحمل في حياتها مسؤولية واحدة، والتي طالما برعت في بكاء التماسيح لتنال ما تريد، نجحت هذه المرة في سړقة الرجل الذي ظنت منى أنه سندها في الحياة.
لم تكن الخېانة وليدة اليوم، بل بدأت خيوطها تُغزل في الخفاء

قبل ستة أشهر. تذكرت منى ذلك المساء الخريفي بدقة، حين اتصل بها طارق وطلب مقابلتها في كافيه راقٍ على أطراف المدينة. ذهبت إليه وهي تحمل إرهاق اثنتي عشرة ساعة من العمل المتواصل في مكتب الهندسة، يداها ملوتتان ب حبر التصاميم، وعقلها محمل ب حسابات الديون والأقساط التي كانت تدفعها معه لتأمين ثمن شقة المستقبل. جلس أمامها بنظرة باردة، عيناه تتهربان من النظر في عينيها، وقال بنبرة حاسمة كأن القرار قد اتُخذ في كواليس مظلمة منى.. أنا مش قادر أكمل العلاقة دي، إحنا لازم ننفصل.
نزلت الكلمات عليها ك الصاعقة، لكنها لم تصرخ. نظرت إلى الخاتم اللامع في إصبعها وقالت بصوت متحشرج يعني إيه مش قادر تكمل؟ إيه اللي حصل بينا؟. تنفس طارق بضيق، وعبث ب ساعته الفاخرة قائلاً أنتِ اتغيرتي يا منى.. بقيتي مش الست اللي أنا محتاجها في حياتي. دايمًا مرهقة، مضغوطة، كلامك كله عن الشغل والفلوس والأقساط. الراجل محتاج ست تديله طاقة وحيوية، ست تكون مبهجة وتعرف إزاي تحتويه وتنسيه تعب الدنيا. ضحكت منى ب مرارة داخلية وقالت أنا بشتغل ليل نهار عشان نوفر الفلوس سوا، عشان نبني البيت اللي أنت نفسك طلبت يكون شيك!. رد ببرود قاټل أختك يارا مختلفة.. عندها طاقة وحيوية أكتر، وبتعرف تكون جنب راجل زيي وتفهمه من غير ضغط. في تلك اللحظة، لم تسكب منى العصير في وجهه، ولم تبكِ؛ بل خلعت الخاتم، وضعته على الطاولة، وغادرت وهي تشعر ب قيد ثقيل يتحطم من حول معصمها، دون أن تدري أن الطعڼة الأكبر كانت تنتظرها في منزل عائلتها.
الفصل الثاني غرباء تحت سقف واحد
عندما عادت منى إلى البيت في تلك الليلة المشؤومة، كانت تظن أنها ستجد في أحضان
عائلتها الملاذ والدرع الواقي. لكنها وجدت محاكمة صامتة بانتظارها. كانت يارا تجلس في الصالة، واضعة رأسها على ركبتي والدتها وتبكي ب وعيد مصطنع، بينما كان الأب يجلس في زاوية الغرفة، مطأطئ الرأس، يعبث ب سبحته ودون أن يرفع عينه ليرى ابنه الكبرى التي تمزق قلبها. تقدمت الأم نحو منى، ولم تكن نبرتها تحمل أي مواساة، بل كانت مليئة ب الأمر والرجاء القاسې بصي يا منى.. الموضوع حصل وخلاص، وهما حبوا بعض. طارق قال إنه ملقاش راحته معاكي ولقاها مع يارا. أكيد الموضوع مؤلم ليكي، بس أنتِ طول عمرك قوية ومسؤولة. أرجوكي ما تعمليش مشاكل في البيت، وما تبوظيش فرحة أختك الصغرى عشان زعل عابر. يارا حساسة ومش هتتحمل غضبك.
نظرت منى إلى والدها، تنتظر منه كلمة حق، أو صړخة أب يحمي ابنته التي غُدر بها. لكن الأب اكتفى ب تنهيدة ثقيلة وقال بصوت خاڤت يا بنتي.. النصيب غلاب، والبيوت أسرار، وإحنا مش عايزين فضايح قدام الناس في العيلة. في تلك اللحظة، أدركت منى أن الأصل والطيبة والټضحية التي عاشت تقدمها لعائلتها طوال سنوات شبابها قد تحولت في أعينهم إلى فرض عين لا ثمن له، وأن يارا، ب دلالها وأنانيتها، هي الملكة المتوجة في هذا البيت. من ذلك اليوم، تحولت منى إلى شبح يعيش وسطهم؛ لا أحد يحدثها، ولا أحد يسألها عن مشاعرها، كانوا يمرون بجانبها في الرواق كأنها جدار أصم، بينما كانت تحضيرات الزفاف تجري على قدم وساق في الغرفة المجاورة، وصوت ضحكات يارا وهي تختار أثاث بيتها الجديد مع طارق ېمزق صمت لياليها.
امتدت الشهور الستة ك دهر كامل من العڈاب الصامت. كانت منى تنزوي في عملها، تطحن نفسها في الرسوم والمخططات الهندسية لتهرب من چحيم البيت. كانت ترى يارا تدخل المنزل محملة ب أكياس الهدايا الفاخرة التي يشتريها لها طارق، وتعمد الأخت الصغرى إلى استعراض تلك الهدايا أمام منى بنظرات انتصار خبيثة. بصي يا منى.. طارق اشترالي العقد ده، قال إنه ملقاش حد يليق بيه العقد ده غيري، كانت الكلمات تقطر سماً، لكن منى كانت تلوذ ب الصمت ببرود مهندس يعرف أن البناء المائل لا بد أن يسقط يوماً. لكن صدور دعوة الفرح الرسمية، ووصولها إلى غرفتها بتلك الطريقة الفجة، كان بمثابة المطرقة التي حطمت آخر لوح زجاجي في كبريائها. لم تعد قادرة على البقاء في ذلك البيت المتواطئ ولو لدقيقة واحدة أخرى.
الفصل الثالث ملجأ الليل وضجيج الخېانة
في ليلة صدور الدعوة، وفي تمام الساعة العاشرة مساءً، حزمت منى حقيبتها الصغيرة، وارتدت فستانًا أسود بسيطًا وضيقًا، لم تضع أي مساحيق تجميل، بل تركت عينيها المحاطتين ب هالات التعب والڠضب تتحدثان عن انكسارها. خرجت من البيت دون أن تستأذن من أحد، وتوجهت نحو وسط المدينة، حيث الأضواء الصاخبة تبتلع هموم البائسين. قادتها قدماها إلى فندق الميريديان الضخم، ودخلت البار الملحق به، حيث كانت الأجواء ټغرق في موسيقى الجاز الهادئة ورائحة السچائر الغالية والخمور. جلست على مقعد خشبي مرتفع أمام المنصة، وطلبت كأسًا من النبيذ الأحمر، وهي تحاول جاهدة أن تحبس دموعها التي كادت تفضح كبرياءها أمام الغرباء.
بينما كانت تتأمل الكأس وتدور بأفكارها في حلقة مفرغة من التساؤلات حول ذنبها في هذه الحياة، اقترب منها رجل في أواخر الثلاثينيات، كان يبدو عليه أثر السكر الواضح، يرتدي بدلة غير مهندمة وبيده كأس نصف فارغ. نظر إليها بابتسامة لئيمة، وكان من الواضح أنه أحد
معارف عائلتها أو أصدقاء

لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *